استفتاءات

الإستفتاءات 

التغذية

التغذية

اهتمّ الإسلام بالتغذية التي هي في مقدّمة ضروريات حياة الإنسان الماديه أهمية كبيرة، وشرّع الأحكام بهذا الخصوص. ونحنُ نبيّن في ما يلي قسماً من هذه الأحكام.

1 ـ اللُّحوم
أحلّ الإسلام أكل لحوم الأنعام فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَالأَْنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾.([1])

أ ـ ما حلّ أكله من الحيوان
لا مانع من أكل لحوم الحيوانات الأهلية والوحشية البرية والبحرية التالية:

1 ـ يحلّ من حيوانات البحر، الأسماك التي لها فلس، والروبيان والمدار في الحلّية على كون السمك من صنف ما له فلس ولو زال فلسه بعد ذلك بعارض ككثرة الاحتكاك بالصخور ونحوه (وان ذهب بعض فقهائنا إلى حلية السمك مطلقاً وان لم يكن له الفلس ولكن الاحوط ما ذكرنا).

2 ـ يحلّ من ذوات الأربع الأهلية، لحم الإبل والبقر والغنم، ويكره أكل لحوم الخيول والبغال والحمير، والكراهية في الخيول أقل من غيرها.

3 ـ يحلّ من الحيوانات البرية والوحشية، لحم الغزال، والبقر الوحشي، والكبش والماعز الجبلي، وحمار الزّرد.

4 ـ تحرم لحوم الطيور ذوات المخالب المفترسة، كالصقر والعقاب والباز والشاهين، وأمثالها وكذلك على الأحوط وجوباً، أنواع الغربان، ولكنّ لحوم الطيور مثل أنواع الحمام والحجل والقطا والدجاج البيتي وأنواع العصافير وأمثالها، حلال، ولحم الخطّاف حلال، والأحوط اجتناب أكل لحم الهدهد. وبيض الطيور المحلّلة اللّحم، حلال. وتميّز عادة الطيور المحلّلة اللّحم عن الطيور المحرّمة اللّحم بطريقين:

1 ـ إذا كان دفيف الطير أكثر من صفيفه ـ أي يحرّك جناحيه حال الطيران أكثر ممّا يبسطهما ـ، فهو حلال، أما الطير الذي يكون بسط جناحيه حال الطيران أكثر من تحريكهما، فهو حرام.

2 ـ إذا كان للطير قانصة ـ وهي ما تجمع فيه الحصاة الدقاق ـ، أو حوصلة ـ ما يجمع فيه الطعام عند الحلق ـ، أو صيصيّة ـ والصيصيّة، إصبع يكون خلف رجل الطائر بمنزلة الإبهام من الإنسان ـ فهو حلال، وإن لم يكن له ذلك فهو حرام.

على ما هو المشهور بين الفقهاء يحرم من الحيوان ـ حلال اللّحم ـ ستة عشر شيئاً، وان لم تثبت حرمة بعضها عندنا بصورة قطعية ولكن الاحوط وجوباً الاجتناب عمّا يلي.

1ـ الدم. 2ـ الروث. 3ـ القضيب. 4ـ الفرج. 5ـ المشيمة. 6ـ الغُدد. 7ـ البيضتان. 8ـ خرزة الدماغ وهي حبّة في الدماغ بقدر نصف الحمّصة. 9ـ النُخاع. 10ـ العلياوان وهما عصبان ممتدّان في طرفي الظهر. 11ـ المرارة. 12ـ الطحال. 13ـ المثانة. 14ـ عدسة العين وسوادها. 15ـ أُذنا القلب. 16ـ الأشاجع وهي في وسط حافر الحيوان.

شروط ذباحة الحيوان
إذا ذبح الحيوان حلال اللّحم وفق الشروط الآتية، يكون لحمه حلالاً وبدنه طاهراً. ولذباحة الحيوان خمسة شروط:

1 ـ أن يكون الذابح مسلماً على ما هو المشهور ولكن الظاهر انّ أهل الكتاب إذا حصل الاطمئنان برعاية شروط التذكية سيّما ذكر الله تعالى فتتحقق التذكية، ويجوز أكل الذبيحة، وأن لايظهر العداوة لأهل بيت النبي ص، ولا فرق في أن يكون الذبح يدوياً أو آلياً.

2 ـ أن تكون آلة الذبح من الحديد ونحوه، ولكن إذا لم يوجد الحديد ونحوه وكان الحيوان بحيث إذا لم يذبح، فيموت عندئذ، يجوز ذبحه بشيء حاد يقطع أوداجه الأربعة.

3 و4 ـ أن تكون مقادم بدن الحيوان حال الذبح إلى القبلة وأن يذكر اسم الله تعالى عليه بنيّة الذبح، ويكفي من الذكر أن يقول: <بِسم الله>. وأما إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه عن نسيان أو لم يستقبل القبلة نسياناً، فلا إشكال فيه.

5 ـ أن يتحرك الحيوان بعد الذبح، بحيث يعلم أنه كان حيّاً حين الذبح.

ومن شروط ذبح الحيوان يجب أن تقطع الأوداج الأربعة، يعني مجرى الغذاء، ومجرى التنفس، والعرقين الكبيرين، من أسفل الجوزة بشكل كامل، بحيث يبقى قسم منها مع الرأس.

ولذكاة الإبل يجب ـ مضافاً إلى الشروط الخمسة التي ذكرت لتذكية الحيوان ـ غرز السكين أو الآلة الحادة الأُخرى في لبّتها التي هي بين العنق والصدر. ويُسمى ذلك بالنحر.

لا إشكال في ذبح الحيوان بواسطة الآلات والمكائن إذا روعيت الشروط الشرعية للذبح، ولا يجب ذكر <بسم الله> لكل واحدة، بل إذا قصد عند ضغط الزّر وذكر <بسم الله> ذبح عدّة حيوانات معاً حلّت جميعها، بشرط أن يقال عرفاً أنها ذبحت في وقت واحد.

أحكام الصيد بالأسلحة
إذا صيد الحيوان الوحشي حلال اللّحم بالأسلحة، يكون أكله حلالاً وميتته طاهرة، بخمسة شروط:

1 ـ أن يكون سلاح الصيد قاطعاً مثل السكين والسيف، أو حاداً مثل الرمح والسهم، بحيث يفري بحدّته بدن الحيوان، أما إذا صيد الحيوان بواسطة الفخّ أو العصا أو الحجر وأمثالها فلا يطهر، ويحرم أكل لحمه، إلاّ أن يقبض عليه حيّاً ويذبح. وإذا صيد الحيوان بالبندقية وكانت طلقتها حادّة، بحيث تدخل في بدن الحيوان وتفريه، يكون طاهراً وحلالاً. وكذلك إذا كانت طلقتها غير حادة، وإنما تدخل بالضغط في بدن الحيوان فتقتله وامّا إذا كانت تحرق بدنه بحرارتها فيموت بسبب ذلك، فلا تخلو طهارته وحلّية لحمه من إشكال.

2 ـ أن يكون الصائد مسلماً على ما هو المشهور بين الفقهاء.

3 ـ أن يكون الرمي لأجل اصطياد الحيوان، فإذا استهدف مكاناً وصاد حيواناً صدفة، فلا يحلُّ ذلك الحيوان ولا يكون طاهراً.

4 ـ أن يذكر <اسم الله> حال الصيد، ولكن إذا نسي فلا إشكال فيه.

5 ـ أن يدرك الحيوان ميتاً، أو لا يكون الوقت يسع لذبحه إذا أدركه حيّاً. فإن أدركه حيّاً وكان الوقت يسع لذبحه، عليه أن يعمل وفقاً للتعليمات المذكورة آنفا للذبح.

صيد الأسماك
إذا أُخِذ السمك ذو الفلس من الماء حيّاً ومات خارج الماء، فهو طاهر وأكله حلال، وإن مات في الماء فهو طاهر ولكن لا يحلّ أكله. وإذا ألقى الصياد الشبكة في الماء فمات فيها بعض الأسماك حين كَوْنها في الماء أو حين إخراجها منه فالأقوى يكون طاهراً وحلالاً. وكذلك فإن بيض السمك الحلال اللحم حلال، ولا يجب أن يكون صيّاد السمك مسلماً أو أن يذكر <اسم الله> حين صيده.

ب ـ الحيوان المحرّم اللحم
لحم ولبن الحيوان النجس مثل الكلب والخنزير حرام، وكذلك لحم ولبن الحيوانات المفترسة التي لها ظفر وناب عادةً، مثل الأسد والنمر والفهد والذئب والضبع وابن آوى والثعلب والهرّة، وكذلك الفيل والقرد والدب والأرنب، وكذا يحرم أكل الحيوانات الصغيرة والحشرات، كالفأرة والضبّ والحيّة والوزغ والعقرب والصرصور والذباب والبقّ وأنواع الديدان.

2 ـ المأكولات من غير الحيوان
يجوز الأكل والشرب من المأكولات والمشروبات ـ باستثناء الموارد المشار إليها أدناه ـ بشرط أن لا تستوجب فعل حرام آخر، على سبيل المثال أن يكون المأكول يعود إلى شخص آخر فيجب أن يكون ذلك بأذنه ورضاه. أو أن لا يؤدي الأكل إلى الإسراف والتبذير.

المأكولات والمشروبات المحرّمة
أ ـ النجاسات
1 ـ يحرم أكل النجس وشربه، وكذا تقديم عين النجاسة ليأكلها الآخرون، بل يحرم إطعامها للأطفال في حالة ترتّب الضرر عليه. بل على الأحوط في حالة عدم الضرر أيضاً وكذلك المتنجّس.

2 ـ يحرم الأكل والشرب من الأواني المصنوعة من جلد الكلب أو الخنزير أو الميتة.

ب ـ المواد المضرّة
يحرم أكل، وزرق، أو استعمال الشيء الذي يكون فيه للإنسان ضرر مُعتدّ به عند العقلاء ـ سواء كان الضرر روحياً أو جسدّياً ـ.

ج ـ المسكرات
المسكرات سواء كانت مائعة كالخمر والفقّاع (البيرة ) وغيرهما من السوائل الكمياوية أو الطبيعية، المسكرة قليلها وكثيرها، يحرم تناولها، وكذلك ما إذا كانت جامدة كالمخدّرات.

دـ ما تتنفّر منه الطباع
على الاحوط وجوباً الاجتناب عن كل ما تتنفّر منه الطباع السليمة.

أحكام الأطعمة
1 ـ يحرم تناول مال الغير بدون إذنه ورضاه، ولابُدّ من إحراز ذلك بعلم ونحوه.

2 ـ يجوز أن يأكل ويشرب الإنسان من بيوت أو بستان الآباء والأُمّهات والأولاد، وإلاخوان والأخوات، والأعمام والعمّات، والأخوال والخالات، والأصدقاء، والزوجة وكذا الزوجة من بيت زوجها، وكذا يجوز لمن كان وكيلاً على بيت أحد مفوّضا إليه أُموره وحفظه بما فيه أن يأكل من بيت موكّله، إلاّ إذا علم الإنسان كراهة صاحب البيت.

3 ـ لو اضطر بسبب الجوع أو العطش إلى أكل مُحَرَّم فليقتصر على مقدار الضرورة، ولو اضطر إلى أكل طعام الغير لسدّ رمقه، فعليه دفع عوضه.

4 ـ يجوز التداوي لمعالجة الأمراض بكل مُحرّم ـ على مقدار الضرورة ـ إذا انحصر به العلاج.

5 ـ لا يجوز الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر، إذا كان الجالس يُحسب أحد شاربي الخمر. كما يجب اجتناب الأكل من تلك المائدة أيضاً.

6 ـ يحرم الأكل والشرب في أواني الذّهب والفضّة واستعمالها.

([1]) سورة النحل، الآية 5.

الزواج و الطلاق

الزواج

العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل
أوجد الله ميلاً وانجذاباً طبيعياً بين المرأة والرجل يربطهما ببعضهما ويستميلهما إلى العيش المشترك معاً.

تشكّل المرأة والرجل النواة الأساسية للأُسرة، وهذا الميل الطبيعي الذي يربطهما هو الميل الجنسي الذي يجب أن يوضع في اتجاهه الصحيح مثل بقية الغرائز. تنبثق الحياة المشتركة بين الزوجين في البداية من الميل الجنسي غالباً، ولكنّها لا تتوقف عند هذا الحد وإنّما تتطوّر إلى نوع من الارتباط الروحي والعاطفي والاعتقادي والاجتماعي العميق.

من النتائج الايجابية والمباركة للزواج، بناء الاُسرة، وتربية الأولاد، والتهذيب الأخلاقي، وسعي كل من المرأة والرجل لتحقيق سعادتهما وسعادة أولادهما، والتعاون من أجل توفير المصالح المشتركة.

الزواج عبادة
أعطى الإسلام أهمية بالغة للزواج، وقد دعى الكتاب الكريم ووحثتّ أحاديث المعصومين عليهم السلام  كثيراً على الزواج، حيث اعتبره عملاً جديراً وفعلاً صالحاً.

إنّ الإسلام لا يريد تعطيل أو كبت الغرائز والمواهب التي أُودعت في الإنسان لأجل حفظ وجود الفرد ـ بدافع حُبّ الذات ـ أو لأجل المصالح الاجتماعية ـ حُبّ الغير ـ بل هو يريد أن يضع ـ بالاستعانة بالأساليب العقلائية ـ طاقات البشر الطبيعية في مسيرها المناسب. والإسلام لا يريد تجميد الطاقات أو تعطيلها أو اصدار أحكام معارضة لمسار الطبيعة والأُصول الغريزية للإنسان؛ لأن القانون الذي يخالف المسار الطبيعي لا يمكن أن يطبّق أو يدوم. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لأن الأحكام الإسلامية تنسجم مع الفطرة وتلائم الغرائز المعتدلة.

الغريزة الجنسية إذا وُظّفت بشكل صحيح ستكون سبباً لتحسين وضع الإنسان وتوازنه، واسلوباً موجباً للتكامل وبقاء النسل، وإذا لم توجّه الوجهة المناسبة فسوف تصبح علّة لسقوط الإنسان ومدعاة للكثير من الانحرافات والعُقَد المختلفة.

الذين يمتنعون عن الزواج ربّما يقعون في الكثير من الآثام التي تؤدي إلى فقدانهم التوازن الجسمي والنفسي. لقد خُلق كل من الرجل والمرأة بشكل يُشعر كل منهما بالنقص وعدم الاستقرار والراحة من دون الآخر، وبالتأليف بينهما يزول هذا النقص، وكل من الزوجين هو لازم وملزوم، ووسيلة لحفظ وصيانة أحدهما الآخر، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ فحثّ سبحانه عليه بقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصّالحينَ مِنْ عِبادِكم وَإمائِكُم اِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.([1]) وروي عن الرسول ص انه قال: <ما بُنِىَ بناءٌ فِي الإسلامِ أحَبُّ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ التَّزويج>.([2])

وقال ص: <الزواج سنّتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي<.([3])

وقد عبّر بعض الروايات عن الزواج بأنه وسيلة لإحراز نصف الدّين ووسيلة لجلب الرزق.([4])

كما انّ هناك روايات تدين العزوبة والعزّاب([5]) ولهذا من الجدير أن يقيم الشبّان والشابات في المجتمع الإسلامي هذه السنّة النبوّية ولا يتقيّدوا بالعادات والتقاليد الزائدة والمغلوطة التي تحول دون الزواج أو تُعكّر الطريق.

الأهداف الأساسية من الزواج
في الزواج فوائد يعود بعضها على الزوجين، كما يعود بعضها الآخر على المجتمع. يمكن تلخيص أهم الفوائد التي تعود على الإنسان من الزواج في ثلاثة أشياء:

1 ـ إشباع الغريزة الجنسية عن الطريق الصحيح: كما نعلم أن كل إنسان لديه غريزة جنسية، ويجب أن تلبّى هذه الحاجة الطبيعية، وقد تصدّت الشريعة الإسلامية لتلبية هذه الحاجة في إطار التشريع، بصورة نزيهة وموافقة مع الغريزة البشرية, ولاترضى مطلقاً بالرهبانية والعزوبية، ومن يتزوّج سوف يشبع هذه الحاجة الطبيعية، ولكن الذين يعزفون عن الزواج قد يوقعون أنفسهم والمجتمع في الانحراف والفساد. وقد روي عن رسول الله أنه قال: <من استطاع منكم الباه فليتزوّج ومن لم يقدر فعليه بالصوم فإنّه له وجاء>.([6])

2 ـ إيجاد السكينة عند الرجل والمرأة: ﴿هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾.([7])

فما يظهر من هذه الآية القرآنية ـ وكذلك الآية 21 من سورة الرّوم التي تقدّم ذكرها([8])ـ أنّ غاية الزواج أسمى من اللّذة الجنسية بل الهدف منه إيجاد الطمأنينة والاستقرار والسكون والمودّة والرحمة.

3 ـ استمرار النسل البشري: وتربية الأبناء المؤمنين الصالحين ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا… يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.([9])ـ أي يكثركم ـ

وقد جاء في الروايات ـ أيضاً ـ التأكيد على اختيار الزوجة الولود غير العقيم.

إختيار الزوج
إنّ من أهمّ المسائل المتعلقة بالزواج وتشكيل الاُسرة، هي مسألة اختيار الزوج، ولابُدّ من الالتفات إلى عدّة اُمور في هذا المجال وهي:

1 ـ الحريّة في اختيار الزوج.

2 ـ معايير اختيار الزوج.

3 ـ من تمنع الشريعة الإسلامية زواجهما.

1 ـ الحريّة في اختيار الزوج
الحياة الزوجية والمشتركة تكون أساساً للسعادة فيما إذا كان هناك توافق فكري وتناسب روحي وأخلاقي بين الزوجين.

ويتحقق هذا الانسجام حينما يتمّ اختيار الزوج بدقة وحريّة واختيار كامل من قبل الطرفين، ولا يكون الزوجان مجبرين ومكرهين في اختيار شريك الحياة.

أوّل شرط لصحة عقد الزواج هو أن يكون لكلٍّ مِن المرأة والرجل دور في إبرام هذا العقد، فقبل تحقّق الإيجاب والقبول لابدّ أن يكون ذلك عن رضىً واختيار تامّين([10]).

جاء شاب إلى الإمام الصادق عليه السلام  وقال له: إنّني أرغب في الزواج من امرأة، بينما يريد منّي والداي أن أتزوّج غيرها. فقال له الإمام عليه السلام : <تزوّج التي ترغب أنت فيها، واترك التي يرغب فيها والداك<.([11])

وجاء في رواية أُخرى: أن فتاة جاءت إلى النبي ص وقالت: إنّ أباها زوّجها وهي كارهة، فترك النبي ص لها الخيار في أمرها.([12])

إذن الأب في زواج ابنته
أكّدت التعاليم الإسلامية على أن تتزوج البنت بإذن من أبيها. ومن الضروري الالتفات إلى النقاط التالية بهذا الشأن:

1 ـ بما أنّ الزواج منشأ علاقة اجتماعية بين أُسرتي الزوجين، لذا يُوصى الأبناء والبنات باستشارة والديهم حول اختيار الزوج.

إنّ هذا التشاور، نوع من الاحترام والحب للأبوين، وتعبير عن التقدير والشكر من بعض ما تحمّلاه من الصعوبات في مراحل نشأة الأولاد وتربيتهم، مضافاً إلى انه أسلوب مناسب للاستفادة من تجاربهما الشخصية والاجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار في كون المستشار لابدّ ان يكون اميناً وعارفاً فانّهما أفضل معين ومرشد في اختيار الزوج.

2 ـ ومن اشترط من الفقهاء إذن الأب في زواج الفتاة فإنّه قد اعتبر هذا الشرط فيما إذا كانت باكرة، ومن الواضح أن هذا الإجراء بخصوص هذه الفئة التي لا تملك أيّة تجربة في هذا المضمار، ينطوي على أهمية كبيرة ووضع رأي الأب كشرط في عقد الزواج يمثّل عاملاًَ مساعداً لعدم تورّطها غالباً في مشاكل الحياة الزوجية ومانعاً من أن تقع فريسة للذئاب ومستغلّي البساطة والبراءة.

3 ـ انّما يكون شرط الإذن ساري المفعول مادام الأب يسعى في سبيل مصلحة ابنته، وليس من أجل فرض رأيه ورغبته عليها، ومتى ما تبيّن أن الأب يعمل خلاف مصلحة ابنته، وبضررها، تستطيع البنت أن تُقدم على الزواج بتشخيصها في حالة تناسب وكفاءة المتقدّم للزواج منها.

بل يمكن أن يقال: فيما إذا كان الزواج واجباً عليها، فإذا لم تتزوّج تتورّط في الحرام ولا يمكنها الاستجازة من والدها لايّ سبب فلا يشترط حينئذٍ اذن الاب، شريطة ان تكون مضافاً إلى البلوغ الجنسي، بالغة فكرياً، وتُشخّص مصلحتها، ولا تُعرّض نفسها لخطر أعظم.

2 ـ معايير اختيار الزوج
على المرأة والرجل اللّذين ينويان الزواج أن يكون كل منهما على معرفة كافية بالآخر، وأن يضعا نصب عينيهما المعايير اللازمة لانتخاب الزوج المناسب. وأيّ تسرّع بهذا الخصوص ربما يكون سبباً للندم في المستقبل.

من جملة النقاط التي يجب وضعها نصب العين عند اختيار الزوج هي:

1 ـ الإيمان: قلنا في الأبحاث المتقدّمة أن الهدف من الزواج من وجهة نظر الإسلام ليس مجرد إشباع الغريزة الجنسية، بل تشكيل الاُسرة والألفة والمودّة، وإيجاد الجو المناسب لتربية أولاد صلحاء لخدمة الإنسانية والمجتمع الإسلامي.

الشرط الأوّل للوصول إلى هذه الأهداف هو أن يكون الزوجان مؤمنين ومتمسكين بالإسلام، وعليه فإنّ زواج المسلمين بالمشركين حسب ما جاء في القرآن الكريم([13]) غير صحيح.

يلاحظ أحياناً أن هناك من يقول: إنّ الاختلاف في الأديان يجب أن لا يكون مانعاً من الزواج بين المرأة والرجل.

هذا النمط من التفكير ينشأ من عدم الفهم الصحيح للدين والزواج. لانّ الدّين هو طريق وأُسلوب ومنهج للحياة، وإذا كان الزواج ارتباطاً روحياً وقلبياً بين الزوجين، وتأسيس كيان يسوده الوئام والانسجام، فكيف يمكن إيجاد مثل هذا الارتباط بين إنسانين أحدهما مؤمن والآخر كافر؟

لقد أثبتت التجربة العملية أن هذا النوع من الزواج إمّا أن ينتهي إلى الضمور الاعتقادي التدريجي للزوجين، أو على الأقل لأحدهما أو ينتهي إلى عدم الإنسجام غالباً.

2 ـ الاستقامة، والعفّة والفضائل الأخلاقية أساس للحياة الزوجية. يقول أحد أصحاب الإمام الجواد عليه السلام : كتبتُ إليه أسأله في أمر الزواج، فجاءني الجواب بأنّ رسول الله ص قال: >إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، وإلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<.([14]) وروي عن الإمام الصادق عليه السلام  أنه قال: >الكفؤ من كان ذا عفّة ويسار<.([15])

إنّ اختيار الزوج السيّيء الخلق والمنحرف فكرياً والمرتكب للذنوب عمل غير صائب، حتى وإن كان ثرياً وذا مكانة اجتماعية ظاهرية، كما جاء في الحديث: إنّ من زوّج ابنته شارب الخمر فقد قطع ذريّتها.([16])

3 ـ من تمنع الشريعة الزواج بينهم( المحارم)
توجد مجموعة من الأفراد لا يجوز الزواج بينهم، إمّا بسبب علاقة نسبية أو سببية أو الرضاع([17]) وهؤلاء هم:

1 ـ المحارم النسبيون؛ أي الأقارب الذين هم من أصل ونسب مشترك، والزواج منهم حرام، فيحرم على الرجل: الأُم والجدة والبنت والأحفاد ـ مهما نزلوا ـ والأُخت وبنت الأخ وأحفادها وبنت الأُخت وأحفادها والعمّة والخالة ويشمل ذلك عمّات وخالات الأب والأُم، مهما علوا.

ويحرم على المرأة: الأب والجد والإبن والأحفاد ـ مهما نزلوا ـ والأخ وابن الأخ وأحفاده وابن الأُخت وأحفاده والعم والخال ويشمل أعمام وأخوال الأب والأُم مهما علوا.

2 ـ المحارم السببيون: أي الأقارب الذين يرتبط بهم الشخص بنسبة سببيّة عن طريق الزواج ولا يمكن الزواج بهم.

فيحرم على الرجل؛ زوجة الأب والجد، وأُم وجدّة المرأة فهما تحرمان على الصهر حرمة أبدية، وزوجة الإبن و كذلك بنت الزوجة وأحفادها إذا كان الرجل قد دخل بأُمّها وليس بمجرّد إجراء العقد، وأُخت الزوجة مادامت الرابطة الزوجية موجودة مع تلك الزوجة، ويحرم على المرأة؛ أبو الزوج وجدّه وابن الزوج وزوج الأم وزوج البنت (الصهر) وزوج الأُخت مادام زوجاً لأُختها.

3 ـ المحارم بالرضاع؛ إذا حصلت إحدى النسب المتقدّمة عن طريق الرضاع ـ وفق الشرائط المذكورة للرضاع([18]) ـ أدّت إلى الحرمة وبالنتيجة يحرم الزواج.

مضافاً إلى ما ذكرنا يحرم الزواج من النساء في الموارد التالية:

1 ـ المرأة التي في عدّة رجل آخر. 2 ـ المرأة المحصنة التي عقد عليها. 3 ـ المرأة المحصنة التي زنى بها على ما ذهب إليه المشهور من الفقهاء. 4 ـ بنت الخالة وعلى الأحوط وجوباً بنت العمّة فيما إذا زنى بأمّهما. 5 ـ بنت وأُم المرأة التي زنى بها على الأحوط وجوباً. 6 ـ أُمّ وأخت وبنت من لاط به. 7 ـ المرأة المُحرِمة التي عقد عليها في حال الإحرام. 8 ـ الزوجة التي طلّقها زوجها ثلاث مرّات؛ إلاّ بعد زواج المحلّل بها وفق الشروط المذكورة في الطلاق الرجعي، فراجع. 9 ـ بنت أُخت وبنت أخي الزوجة من دون إذنها. 10 ـ زواج الكافر من مسلمة مطلقاً، وزواج المسلم بالكافرات من أهل الكتاب، زواجاً دائماً على ما هو المشهور، وزواج المسلم من غير الكتابيات([19]). 11 ـ الملاعنة بين الزوجين.

وقد جاء تفصيل أحكام كل من هذه الموارد في الرسائل العملية.([20])

عقد الزواج
عندما يتفاهم اثنان على أن يعيشا حياةً مشتركة، ولكي يُعربا عن إرادتهما القلبية واستعداهما لذلك، ولكي يحسما موضوع زواجهما بشكل نهائي، بعد إتخاذهما القرار في هذا المجال، عليهما إبرام عقد الزواج بالتلفظ بكلمات تنمّ عن نيتهما الجادة، وليعلنا احترامهما لهذا العقد ولكل ما ورد فيه من وظائف وشروط.

بدايةً تقول الزوجة مخاطبة الزوج وبقصد إيجاد عقد الزوجية: <اَنكَحْتُكَ نَفْسي عَلَى الصِّداقِ الْمَعلوم> أو<زَوَّجْتُكَ نَفْسي عَلَى الصِّداقِ المَعْلوم>. حسب العقد والشروط المتفق عليها؛ وبعد ذلك أيضا يقول الرجل مباشرة: <قَبِلْتُ النّكاحَ عَلَى الصِّداق المَعْلوم> أو<قَبِلْتُ التَّزْويجَ عَلَى الصِّداقِ المَعلوم> ـ والمقصود من الصداق المهر ـ.

حسب القوانين الإسلامية، يمكن للزوجين إجراء صيغة العقد بينهما دون تدخّل الآخرين كما يمكنهما توكيل الغير في إجراء العقد.

والأفضل أن تقرأ صيغة العقد باللغة العربية الصحيحة، وتجوز قراءتها بأي لغة اُخرى مفهمة لمعنى <زَوّجتُ> و<قَبِلتُ>.

دور المرأة في صيانة العفاف في المجتمع
رؤية المَشاهد المثيرة، لها دور كبير في تحريك الغريزة الجنسية، وغالباً ما تمهّد الأرضية لانحراف الشبّان، لذلك يفترض بالمرأة أن تهتم بدورها في حفظ العفة في المجتمع، والحذر من كل ما من شأنه دفع الآخرين لارتكاب الحرام. وعلى النساء أن لا يجعلن من أنفسهن مرتعاً ومسرحاً للشياطين، وأن لا يصبحن أداة ولعبة بيد العصاة وان لا يمُهدّن الأرضية لارتكاب الذنوب من قبل الآخرين. فيجب أن لاتتصرّف المرأة بما يلفت اهتمام الرجال إليها بصفتها وسيلة للتسلية والانغماس في الشهوات، وعلى النساء أن يحافظن على كرامتهنّ الإنسانية وخاصة مقام الأُمومة التي جعل الله الجنة تحت اقدامهنّ لما لهنّ من القابلية لكي تنشأ في أحضانهنّ الشخصيات الفذّة والعظيمة وصوناً لوقوعهنّ فريسة لأطماع القلوب المريضة فقد نهى الله سبحانه في كتابه عن تبرُّجهن للأجنبي وان لا يخضعن في القول وان لايبدين زينتهنّ لكل احدٍ.([21])

وفي الوقت ذاته أمر الرجال بالعفّة وغضّ البصر أيضاً.([22])

أحكام النظر واللّمس والصوت
1 ـ يحرم على الرجل النظر إلى جسد المرأة ما عدا المحارم، سواء كان نظره بلذّة، أو بدون لذّة والنظر إلى الوجه والكفين أيضاً حرام إذا كان بقصد اللّذة، أو خاف الوقوع في الحرام، لكن النظر بدون قصد اللّذة والخوف من التورّط في الحرام، لا مانع منه والأفضل تركه من دون ضرورة.

2 ـ النظر بدون قصد اللّذة إلى الوجه واليدين والشعر وما لايستر عادة من نساء الكفّار وأهل الكتاب، إذا لم يخف منه الوقوع في الحرام، فلا إشكال فيه، وكذلك النساء المسلمات غير الملتزمات ـ اللاتي لا ينَتهين إذا نُهين ـ.

3 ـ لا يحرم التقاط الصورة والفيلم من غير المحرم، ولكن لا يجوز التقاط الصورة إذا كان يضطرّ بسببه إلى ارتكاب عمل آخر حرام.

4 ـ لا إشكال في نظر الرجل إلى صورة وفيلم المرأة غير المحرم، إذا كان لا يعرفها أو كانت تلك المرأة متهتكة، بشرط أن لا تتّرتب على النظر مفسدة.

5 ـ من أراد الزواج يجوز له ـ من أجل التعرّف ـ النظر بمقدار المتعارف إلى وجه وشعر وكفَّي المرأة أو البنت المقصودة وبكلمة موجزة يجوز النظر إلى محاسنها، وإذا لم يحصل الغرض من النظرة الأُولى فلا إشكال في التكرار، ولكن على أي حال يجب أن لا يكون بقصد اللّذة. ولا إشكال بحصولها قهرا.

6 ـ إذا اضطر الرجل إلى معالجة امرأة غير محرم، واضطر من أجل معالجتها أن ينظر إليها أو يلمس بدنها فلا إشكال فيه، ولكن إذا استطاع أن يعالجها بالنظر، فلا يجوز اللّمس، وإذا استطاع أن يعالجها باللّمس، فلا يجوز النظر وإذا اضطر لذلك، فلا فرق بين العورة وغيرها.

7 ـ يجوز للمرأة والرجل الأجنبيين سماع صوت أحدهما الآخر دون تلذّذ، سواء كان ذلك بالتحدّث أو بشكل آخر، وبشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن إذا كان صوت المرأة مهيّجاً يجب على الأحوط اجتناب الاستماع إليه.

الواجبات الأُسرية
1 ـ بعد إجراء عقد الزواج تترّتب الحقوق الزوجية على الطرفين، وتجب على الزوجين الالتزامات والوظائف التالية:

أ ـ التزامات الزوج بدفع المهر والنفقة ورعاية حقوق الزوجة.

حسب القانون الإسلامي بمجرد أن يجري العقد يصبح الزوج مديناً بالمهر للزوجة، وعليه الدفع إذا ما طالبته الزوجة به ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛([23]) إلاّ أن يكونا قد وضعا شرطاً خاصاً في العقد، أو أن تقبل الزوجة بأن يبقى المهر في ذمّة الرجل. وعلى الزوج أيضاً توفير النفقات اللازمة والمأكل والملبس واحتياجات زوجته بما يليق بها وعلى قدر استطاعته وسعته، جاء في الرواية: <من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها، كان حقّاً على الإمام أن يفرّق بينهما>.([24])

في الوقت نفسه ـ امتثالاً لأمر القرآن الكريم ـ فإنّ على كل زوج أن يكون حسن الأخلاق والسلوك مع زوجته([25]) وأن لا يحمّل شريكة حياته ما هو خارج عن نطاق الواجبات الزوجية.

من جملة حقوق المرأة ـ في الزواج الدائم ـ على زوجها على ما عليه المشهور من الفقهاء، هو إذا لم يكن بإمكانه المبيت عندها في كل ليلة، فعليه أن يبيت ليلة واحدة من كل أربع ليالٍ على الأقل عندها إلاّ أن تتنازل عن حقها.

ب ـ وظيفة المرأة تجاه زوجها هي أن تكون حسنة الأخلاق وأن تمكّنه من نفسها، وأن تكون عفيفة وأمينة على ماله، ويجب عليها أن تعرف واجباتها الزوجية تجاه زوجها وأن تلتزم بها. وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ([26]) كما أنّ على الزوج أيضاً أن يراعي مصالح زوجته بشكل كامل، كذلك على الزوجة ـ في جميع الأحوال ـ رعاية الأمانة والصدق تجاه الزوج في جميع جوانب الحياة المختلفة، وخاصة من ناحية تربية الأولاد وحفظ مال الزوج، وأن لا ترهق زوجها بمطالب غير ضرورية تفوق طاقته قد تدفعه إلى الانحراف عن الطريق المستقيم.

جاء في الحديث عن رسول الله ص: <يأتي زمان يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجته؛ تكلّفه ما لايطيق حتى يُورده ذلك موارد الهلكة>.([27])

وهناك أيضا حقوق مشتركة بين الزوجين عليهما رعايتها:

أ ـ حق الاستمتاع واللّذة؛ وهو حق للطرفين في أن يستمتع أحدهما بالآخر على أساس الحدود التي وضعها الشارع لهما، إلاّ أن يكون هناك مانع شرعي يحول دون ذلك، كذلك على الرجل أن لا يقضي جميع أوقاته بعيداً عن أُسرته ولو في العبادة، فيفشل في تحسين وضع الزوجة والمعيشة والاهتمام بشؤون المنزل والأبناء، وملء أوقات فراغ الاُسرة.

ب ـ حسن المعاشرة؛ على كل واحد من الزوجين أن يحرص على إرضاء الآخر وأن يبتعدا عمّا يؤدي إلى الاختلاف، روي عن الرسول الأكرم ص أنه قال: خير نسائكم الولود الودود العفيفة، الذليلة مع بعلها المتبرّجة مع زوجها.([28])

وفي رواية عن أميرالمؤمنين عليه السلام انه قال:< جهاد المرأة حسن التبعّل لزوجها>.([29])

ج- على كل من الزوجين الابتعاد عمّا يوجب الانزجار، والتنفّر وعدم الرغبة، فعلى هذا الأساس رعاية الأدب والأخلاق والسلوك الصحيح والإجتناب عن المشاحنات، من الوصايا المؤكّدة في هذا المجال كمّا انّ رعاية الصحّة الجسدية والنظافة أمر هام، كما انّ الإرضاء الجنسي ممّا لابدّ أن لا يتغافل عنه كل من الزوجين، وقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله ص: <إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعجّلها>.([30])

وفي حديث آخر قال رسول الله ص: <إذا جامع أحدكم أهله فلا يأتيّهنّ كما يأتي الطير، ليمكث وليلبث>.([31])

2 ـ للوالدين والأبناء مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة فيما بينهم وإذا لم يعرف أيّ منهم تلك الواجبات أو لم يعمل بها فقد ظلم الآخر. وبما أنّ الأُمّ قد حملت طفلها في مدّة الحمل بصعوبة، ومنحته من ثمرة روحها، وحمته بكل وجودها، وحرّمت على نفسها حلاوة الراحة والنوم، وتحمّلت المرارة لكي يكبر طفلها، فلها حق أن يشكرها في مقابل المتاعب والمعاناة التي تحمّلتها في سبيله، وأن يقوم بواجباته تجاهها.

وللأب أيضاً حقوق من الواجب رعايتها؛ فالأب هو الأصل والولد فرع منه، ولو لم يكن الأب لَما كان الولد أيضاً. فكل نعمة ينعم بها الولد فهي من والده.

لذا يجب عليه أن يحمد الله وأن لا يغفل لحظة عن شكره على نعمة الأُبوّة. >وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً< ([32])

والأبناء أيضاً لهم حقوق تجب رعايتها من قبل الوالدين، فحق الولد على والديه أن يعتبراه جزءاً من وجودهما، وأنه منسوب إليهما، وأن مسؤولية سلامته وتربيته وإرشاده في الأُمور الاعتقادية تقع على عاتق الوالدين، وبالتالي سوف يجنيان ثمرة حسن أو جزاء سوء تربيتهما له. فعليهما تربيته بالشكل الذي يكون سبباً لإعتزازهما به في الدنيا، ويعذران فيه أمام الله سبحانه وتعالى في الآخرة. ويجب أن يراعي الوالدان العدالة بين أبنائهما في السلوك مع الأولاد، قال رسول الله ص: <اعدِلوا بَيْنَ أولادِكم>.([33]) وفي رواية أيضاً: <ساووا بين أولادكم في العطيّة>.([34]) وعليهما ان يجتنبا ما يورث العداوة والحسد بين الأولاد.

3 ـ الأخ والأخت بمنزلة اليد والساعد والسند، ومصدر قوّة الإنسان وعزّته؛ وحقهما هو أن لايُتّخذ أحدهما الآخر وسيلة لارتكاب المعاصي والاعتداء على حرمات الله أو الناس، وأن يعين أحدهما الآخر في الشدائد والملمّات ويجب احترامهما واكرامهما ولاسيّما الأخ الأكبر لما جاء في الحديث عن الرضا عليه السلام قال: <الأخ الأكبر بمنزلة الأب>([35]).

النفقه وإدارة شؤون الاُسرة
في كل مجتمع ـ وحتى في الاُسرة ـ نوعان من المسؤولية: الأوّل: مسؤولية كل عضو من الأعضاء تجاه الآخر والحقوق التي تجب مراعاتها.

والثاني: الوظيفة العامّة لكل فرد تجاه الجماعة كما قال ص: <كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته>([36])، وعلى هذا الأساس يكون المجتمع مسؤولاً عن كيان الاُسرة واستحكامها وترابط أعضائها ومن أجل التقدّم والنجاح لأية جماعة لابُدّ من وجود نظام دقيق. وإذا لم تكن هناك أنظمة صحيحة، ولم توزّع الوظائف والأدوار على أساس التناسب الروحي وطاقات كل فرد، وحصل تداخل في المسؤوليات، فإمّا أن يقع الظلم والإجحاف في ذلك المجتمع، أو يؤدّي ذلك إلى تآكل بنيان ذلك المجتمع والاُسرة. ومن أهم المسائل التي تواجه الاُسرة هي مسألة توفير سبل العيش من الملبس والمأكل والمسكن والظروف المناسبة لتعليم الأبناء وتربيتهم، وقد أنيطت مسؤولية هذا الجانب من الحياة بالرجل، وعلى هذا الأساس تقع على عاتق الرجل مسؤولية حماية وإدارة شؤون الاُسرة.([37])

وهذه المسؤولية ـ كغيرها من المسؤوليات ـ تتطلب التضحية والإيثار، ولذا أُمر الإنسان بالدفاع عن اسرته لو تعرّضت إلى الإعتداء. فإيكال قيمومة الأبناء الذين لم يبلغوا سنّ الرشد إلى الأب، واشترط اذنه في زواج ابنته الباكر، واعطاء صلاحيات للزوج لإدارة شؤون البيت والأسرة، فهو لأجل أن لاتتفكّك الأسرة ولا يتشتّت شملها، ولكي تسير الأمور وفقاً لمجراها الصحيح. وفي ضوء هذا الواقع، فالرجل هو المسؤول عن شؤون الاُسرة، وإذا خرج عن حدوده وصدرت منه مخالفات، وتصرّف ضدّ مصالح الاُسرة أو أساء استغلال موقعه، عندئذ لايبقى له حق على أُسرته.

قيام الرجل بتوفير متطلّبات الحياة وتحسين الأوضاع المعيشية للأُسرة عامل مهم جدّاً في خلق أجواء الارتياح والاطمئنان بين أفرادها، ومن جملتهم الزوجة. وإنّ مثل هذا التدبير يعطي الفرصة لأعضاء الاُسرة للقيام بدورهم على أفضل وجه. ويجب أن لايتحوّل هذا الحق إلى أداة للظلم والاستبداد وفرض الرأي على المرأة والأبناء مطلقا.

إنّ إدارة شؤون الاُسرة لا يعني التحكّم والاستبداد والتسلّط عليها؛ لأن الإدارة في الاُسرة ـ وفي أيّ مكان آخر ـ تتطلّب التدبير والاستفادة من الأساليب الناجحة للإدارة والتربية الصحيحة.

كما تتطلّب الاستشارة والاستفادة من آراء أعضاء الاُسرة، وإشراكهم في إدارة شؤونها. وانصياع الأعضاء لنظام الأسرة وقوانينها يتحقّق عن طريق التشجيع والمداراة واللّين، وبالإنذار والتحذير أحياناً.

وعلى أية حال فإنّ مسؤولية تربية الأبناء تقع على عاتق كلا الوالدين، وعليهما التعاون ومساعدة بعضهما للنهوض بهذه المهمّة الحساسة.

من تجب إعالتهم
يجب على الإنسان إعالة كل من:

1 ـ الزوجة الدائمة وكذلك المؤقّتة إذا اشترطت النفقة ضمن العقد.

2 ـ الأب والأُم وآبائهما وأُمّهاتهما، وإن علوا.

3 ـ الإبن والبنت وأولادهما، وإن نزلوا.

وفيما عدا المرأة ـ التي تجب إعالتها على الزوج على كل الأحوال فقيرة كانت أم غنية ـ فإن الإنفاق على الأقارب مشروط بفقرهم وحاجتهم، وأما إذا كانوا يستطيعون توفير مصاريفهم بعمل يناسب حالهم وشأنهم أو استقرّ على غيره كما إذا تزوّجت البنت فينفق عليها الزوج فلا يجب عليه تأمينها لهم. والأقارب الآخرون، كالأخ والأُخت والعمّ والعمّة والخال والخالة وأولادهم، ليس من الواجب الإنفاق عليهم، ولكن يستحب للإنسان إذا كان متمكّنا، وكانوا محتاجين أن يعيلهم.

بعض ما شُرّع لصالح الطفل وحقوقه
1- الأعمال المستحبة بعد الولادة؛ يستحب بعد الولادة غسل الوليد ولفّه بقطعة قماش بيضاء، والأذان في أُذنه اليمنى، والإقامة في أُذنه اليسرى، واختيار اسم حسن له. ومن المستحبات المؤكّدة جداً، العقيقة عن الوليد.

2 ـ الرضاعة؛ لا يجب على المرأة إرضاع طفلها مجّاناً أو بالأُجرة، ولكن إذا انحصرت تغذية الطفل على حليب أُمّه أو كانت تغذيته من غيرها تسبّب للطفل الضرر والأذى، فيجب عليها أن ترضعه ويجوز لها أن تطالب بالأجرة ولكن من الأجدر ألاّ تفعل ذلك.

مدّة الرضاعة الكاملة سنتان، ويكفي واحد وعشرون شهراً. والأحوط ان لا تنقص عن هذه المدّة لو أمكن.

3 ـ التربية؛ بالإضافة إلى توفير نفقات المأكل والملبس والتعليم والصحّة، فإنّ من حق الولد على أبيه تربيته الصحيحة والإشراف على شؤونه وكذلك تزويجه. والتربية هي بمعنى الإرشاد والتوجيه التي تكون في صالح الطفل، وبما يعود بالنفع عليه، وجاء في الحديث عن الإمام العسكري عليه السلام  انه قال: <جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في كبره>([38]). ولا يجوز إيذاء الطفل، والوالد مسؤول عن كل نقص يلحق بالأولاد جسدياً أو عقلياً أو روحياً حتى لو كان لأجل تأديبهم فيضمن لهم الدية شرعاً فيما يستلزمها.

حدود الإحسان والمحبّة إلى الأهل والعيال
إنّ للمحبّة والإحسان إلى الأولاد والعيال حدّاً وهو أن لا يخرج الإنسان من إطار الشرع وهو عندما يستلزم ذلك الاعتداء على حقّ الآخرين أو تضييع أحكام الدين والإخلال في تربيتهم وأدبهم أو هلاك الإنسان نفسه قال الله تعالى:> إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ<([39]) وقال امير المؤمنين عليه السلام : <لايكن اهلك وذو وُدّك أشقى الناس بك>.([40]) 

وقال عليه السلام : <لا تجعلنّ أكثر شغلك بأهلك وولدك فإن يكن اهلك وولدك أولياء الله سبحانه، فانّ الله لا يُضيع أوليائه وإن يكونوا أعداء الله فما همّك وشغلك بأعداء الله>.([41])

الزواج المؤقت
يمكن أن يتمّ الزواج على صورتين: <دائم> و<مؤقّت>.

الزواج المؤقّت والدائم يشتركان في بعض الأحكام ويختلفان في البعض الآخر. وما يميّزهما بالدرجة الأُولى هو أن الزواج المؤقّت لابُدّ فيه من تعيين المدّة والمهر. وبعد انقضاء المدّة يمدّدان بعقد جديد إن رغبا في التمديد وإلاّ انفصلا. الاختلاف الجوهري بين هذين الزواجين هو أن الزواج المؤقّت متحرّر من بعض القيود والحدود التي سنذكرها. وهو مرتبط برغبة الطرفين والعقد المبرم بينهما، وتقييد هذا الزواج بزمن معيّن يمنح الطرفين نوعاً من الحريّة في اتخاذ القرار.

لماذا الزواج المؤقت؟
إشباع الغريزة الجنسية حاجة إنسانية وخاصة في فترة الشباب. وإهمال هذه الحاجة وعدم الاهتمام بها ربما يعرّض المجتمع إلى أزمة جنسية، ويصاب ـ بسبب عدم تلبية هذه الحاجة ـ بآفات مثل الانحلال الجنسي، والإدمان على المخدّرات، والعنف والأمراض الخطيرة. ومن جهة أُخرى قد لا يكون الزواج الدائم أحيانا في مصلحة أو بمقدور الكثيرين. والحل الذي يقدّمه الدين هو الزواج المؤقت.([42])

على هذا يمكن أن يكون الهدف الأصلي من الزواج هو أُمور أُخرى، إضافة إلى تشكيل الاُسرة:

1 ـ المرأة والرجل إذا لم تكن لديهما القدرة على تحمّل جميع شروط الزواج الدائم، ولا يرغبان أو لا يستطيعان تحمّل كل مسؤوليات وواجبات هذا الزواج، وكذلك لكي يمكنهما الاتصال واللقاء والتعرّف والإطمئنان لبعضهما قبل الزوّاج الدائم، يتزوّجان لمدّة معيّنة؛ وفي هذه الحالة إذا إطمئنّا لبعضهما إطمئناناً كاملاً يواصلان زواجهما وإلاّ انفصلا.

2 ـ الرجال الذين يبتعدون عن زوجاتهم لفترات طويلة، أو من فقدت زوجته قدرتها الجنسية على أثر مرض وغير ذلك، أو من فقد زوجته وليس بإمكانه الزواج الدائم ثانية.

3 ـ الشباب البالغون الذين لا يتيسّر لهم تشكيل الاُسرة والزواج الدائم، فإنّ ضغط الغريزة الجنسية والحرمان من الزوجة المناسبة يشغل أذهانهم أو يوقعهم في المعصية، ويسفر عن نتائج مريرة على الصعيد الاجتماعي والفردي.

وعليه، هناك أمامنا طريقان لا أكثر، إمّا أن يُترك هؤلاء وشأنهم ليقيموا علاقات غير مشروعة، أو أن يشبعوا غريزتهم الجنسية عن طريق مشروع، وبما أنّه لا تتوّفر لهم إمكانية الزواج الدائم، لذا يكون الزواج المؤقّت أفضل حلّ للحفاظ عليهم من ارتكاب الذنوب.

لم يغفل الإسلام عن المتطلبات الغريزية، الجسمية منها والنفسية، فقد تصدّى لهذا النوع من المشاكل الاجتماعية وقدّم حلاًّ منطقياً بعيداً عن الإفراط والتفريط؛ فطرح فكرة الزواج المؤقّت كأفضل حلّ لهذه المعضلة.

جاء في بعض الروايات عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام  والإمام الصادق عليه السلام  أنهما قالا: <لولا تحريم المتعة لَما زنى إلاّ شقي>.([43])

وقد تستغل هذه الفسحة من قبل البعض، لكن علينا أن ندرك بأن كل قانون لابُدّ وأن تكون فيه ثغرات جزئية يمكن استغلالها. والمهم هو منع سبل الاستغلال قدر الإمكان، ولذا جاء في الأحاديث المأثورة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام : النهي عن استغلال الزواج المؤقّت والابتعاد عنه فيما إذا أدّى إلى الإضرار بالاسرة وتشويه سمعة الإنسان والإسلام والمذهب.

أحكام الزواج المؤقّت
بالإضافة إلى تعيين المدّة ومقدار المهر، يتضمن عقد الزواج غير الدائم أحكاماً يجب الالتفات إليها، منها:

1 ـ إذا اشترطت الزوجة في عقد المتعة أن لا يقاربها الزوج، فالعقد والشرط صحيحان، ويجوز للزوج الممارسة الجنسية دون المقاربة، لكن إذا رضيت بالمقاربة بعد ذلك يجوز له أن يقاربها.

2 ـ في الزواج الدائم، يجب على الزوج ـ على أي حال ـ أن يهيّى ء للزوجة الطعام والملبس والمسكن والحاجات الأُخرى من قبيل العلاج، أمّا في الزواج المؤقّت فلا تجب نفقة الزوجة إلاّ إذا اشترطت النفقة ضمن العقد. فقد لا يريد الرجل أو لايستطيع تحمّل هذه النفقات.

3 ـ في الزواج الدائم يتولّى الرجل مسؤولية إدارة الاُسرة، أمّا في الزواج المؤقت فيتوقّف ذلك على ما يشترط في العقد الذي يُبرم بين الطرفين.

4 ـ في الزواج الدائم يحق للزوجين منع الحمل أو تحديد النسل بالتفاهم والتوافق، ولكن في الزواج المؤقت لا ضرورة لموافقة الطرف الآخر، وتستطيع المرأة أو الرجل منع الحمل.

5 ـ إذا وُلد مِن هذا الزواج طفل فهو وَلدٌ شرعي لهما، وله كامل حقوقه ويكون الرجل هو الأب والمسؤول عن جميع شؤونه وتأمين معيشته كما في الزواج الدائم.

6 ـ يحرم على المرأة أن تتزوّج بزوج آخر خلال المدّة المتّفق عليها في العقد المؤقت كالزواج الدائم، وتنطبق عليها جميع تلك الأحكام.

7 ـ بعد انقضاء المدّة المحدّدة، ينفصل الزوجان تلقائياً عن بعضهما، ولا حاجة إلى الطلاق، ولكن إذا كان الرجل قد قارب زوجته فيجب عليها أن تعتدّ([44]).

عدّة المرأة في هذا الزواج فيما إذا دخل بها وكانت المرأة تحيض أن تعتدّ بدورتين من عادتها الشهرية ـ حيضتين ـ، وإذا كانت لا تحيض فيجب أن تعتدّ إلى مدة خمسة وأربعين يوما وإذا لم يقاربها أو كانت يائساً فلا عدّة عليها.

8 ـ لا ترث الزوجة المؤقّتة زوجها ولا يرثها أيضا، إلاّ إذا اشترطا التوارث ضمن العقد، وفي هذه الحالة، على الأحوط أن تتم المصالحة مع الورثة وأن يقوم الورثة باسترضاء الطرف المعني.

تعددُّ الزوجات
تعدد الزوجات من الظواهر في بعض المجتمعات، ومن المسائل المطروحة للبحث في مجال نظام الاُسرة منذ أزمنة بعيدة وفي الشريعة الإسلامية لم يحرّم تعدد الزوجات ولكن هناك بعض القيود يقلّص من تحقّقه كما انّ إخباره تعالى عن عدم القدرة على تحقّق شرطه دليل على انّ الشريعة لم تشجّع التعدّد فوضع الحدّ من ناحية التعدّد واشتراطه برعاية العدالة بين الزوجات مضافاً إلى تمكّن الزوج من نفقاتهنّ حسب شؤونهنّ والزامه بدفعها بل التحذير بالاقدام على التعدّد في صورة الخوف من عدم رعاية العدالة ـ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ـ كل هذه المضايقات تحول دون تحقّق التعدّد عند الإنسان الملتزم بقوانين الشريعة، مضافاً إلى انّه قد انحاز الإسلام في هذا القانون إلى جانب المرأة فقد حدّد علاقات الرجل الجنسية في نطاق الزواج القانوني، ومنع العلاقات غير المنضبطة والمتحلّلة حفاظاً على حقوق الزوجة والاُسرة.

للتعرف على الغاية من تعدّد الزوجات، من الضروري طرح عدّة نقاط:

1 ـ من الطبيعي أن يكون تعدُّد الزوجات فيما لو كان عدد النساء المؤهّلات للزواج أكثر من عدد الرجال المؤهلين.

2 ـ وجود أسباب من قبيل العقر أو المرض، أو علل أُخرى.

3 ـ وجود نساء مستعدات للزواج من رجال متزوّجين، وهنّ يقدمن على هذا الأمر برغبتهن، وعلى هذا ففي حالة قلّة عدد النساء المؤهلات للزواج بالنسبة للرجال وعدم ميلهنّ للزواج من الرجال المتزوّجين، فهذا الأمر سينتفي تلقائيا.

4 ـ لو نظرنا نظرة واقعية سوف ندرك مدى صواب هذا الحكم ـ مع الحفاظ على شروطه ـ، وفي الحقيقة إنّ مشروعية تعدُّد الزوجات في البلاد الشرقية كان من أهم العوامل لتعزيز التوجّه للزواج من امرأة واحدة. ففي الظروف التي تظهر فيها الحاجة إلى تعدد الزوجات ويزداد عدد النساء المؤهّلات للزواج على عدد الرجال، إذا لم يعترف بحق هؤلاء النسوة بالزواج ولا يمنح الرجال المؤهّلون أخلاقياً ومالياً وجسمياً حق تعدد الزوجات، فإن العلاقات اللامشروعة سوف تؤثّر سلباً على الزواج الشرعي.

فقد تمّ تعديل هذا الحكم آخذاً بنظر الاعتبار مصلحة النساء، وكذلك العادات والتقاليد في الماضي والحاضر على النحو التالي:

شروط تعدد الزوجات
يجوز تعدد الزوجات بثلاثة شروط هي:

1 ـ حفظ حقوق الاُسرة وعدم ظلم الزوجة.

2 ـ تحديد العدد وهو أن لا يتعدّى الأربع نساء.

3 ـ رعاية العدالة بين الزوجات. فقد اشترطت الاستفادة من تعدّد الزوجات بهذا الحكم، وهو إقامة العدالة التامّة بين الزوجات بحيث لا تبقى الزوجات كالمعلّقات، وأن لا يُحرمنَ من حقوقهن ﴿فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.([45]) إنّ رعاية هذا الشرط تستلزم تحلّي الرجال بصفات وإمكانات خاصة، وإذا فقدوا هذه المواصفات عليهم أن لا يتزوّجوا بأكثر من زوجة واحدة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.([46])

في نظر الإسلام لا يجوز ترجيح زوجة على سائر الزوجات بما يؤدّي إلى عدم المساواة بينهنّ. جاء في الحديث عن الرسول الأكرم ص أنّه قال: <من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القِسم من نفسه وماله جاء يوم القيامة مغلولاً مائلاً شقّه حتى يدخل النار>.([47])

وتحدّثت عائشة عن مساواة النبي ص بين زوجاته فقالت: كان رسول الله لايفضّل بعضنا على بعض في القِسم، وكان كلّ يومٍ يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كلّ امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها.([48])

وعلى أيّة حال، نظراً إلى الأهداف الأساسية للحياة، أي بناء الاُسرة على أساس المحبّة والمودة المتبادلة بين المرأة والرجل، فالأفضل الاكتفاء بامرأة واحدة. وفي الحالات الاستثنائية فقط يتسنّى اللجوء إلى تعدد الزوجات مع رعاية الشروط المذكورة آنفا.

الطلاق
تقدّم آنفا، أن الإسلام قد حثّ على الزواج ووصفه بأنه سنّة رسول الله ص. وعقد الزواج هو الميثاق على أساس المحبة والمودة والتقوى وحسن المعاشرة ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقا غَلِيظا﴾.([49]) > وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ<([50])

وقد أوصى الإسلام كثيراً بالدقة في اختيار الزوج والزوجة، ودعا إلى محكمة عائلية، عند نشوب خلاف بين الزوجين؛ للمصالحة وإنهاء الخلاف.([51]) ومن جهة أُخرى ذمّ الطلاق بشدّة، وجاء في روايات متعددة وصف الطلاق بأنه أبغض الحلال عند الله([52]) ولهذا وضع الإسلام قيوداً كثيرة في شروط وأحكام الطلاق لكي لا يُلجأ إليه إلاّ عند الضرورة القصوى.

في الوقت نفسه أباح الطلاق لأنَّ استمرار الخلافات والمشاكل الزوجية بين المرأة والرجل تؤدي أحياناً إلى ضغوط نفسية غير قابلة للإصلاح، ولا يمكن علاجها مع هذا، ولأجل منع وقوع الطلاق، مهّد الأرضية للمصالحة بوضع فترة العدة ونفقة المرأة على عاتق الرجل (في الطلاق الرجعي)، لكي يكون باستطاعة الرجل الرجوع فيما لو كان الطلاق قد تمّ بسبب الغضب والعجلة أ وبسبب حجج واهية.

الملاحظة الأُخرى هي كون حق الطلاق بيد الرجل لا يعني أنه حصر الطلاق به. بل يمكن عند إجراء عقد الزواج أخذ حق الوكالة للمرأة بالطلاق في موارد خاصّة. كما ان في بعض الموارد بإمكان الحاكم الشرعي إجبار الزوج بالطلاق لصالح الزوجة.

قيود وقوع الطلاق
للحدّ من حالات الطلاق وضعت قيود وشروط كالآتي:

1 ـ حضور شاهدين عادلين، مع أنّ هذا الشرط لا يوجد في أصل عقد الزواج، إلاّ أنه لازم في الطلاق.

وجوب هذا الشرط يؤدّي إلى صعوبة وقوع الطلاق، وربما يكون هذان الشاهدان العادلان سبباً لإصلاح ذات البين.

2 ـ ماعدا حالات خاصّة([53]) يشترط أن تكون الزوجة حال الطلاق طاهرة من دم الحيض والنفاس، وهو مهم جداً من الناحية النفسية.

3 ـ أن تكون المرأة في طهر لم يقاربها زوجها بالجماع فيما إذا لم تكن حاملاً ولم تكن يائساً.

4 ـ دفع مهر الزوجة حيث جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾.([54])

ودفع المهر ليس من شروط الطلاق، ويمكن دفعه بالتوافق مع المرأة بعد الطلاق.

5 ـ تحديد الطلاق الذي يحقّ للزوج فيه الرجوع إلى زوجته بالمرّتين الأُوليّتين ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾.([55]) واشترط على من طلق زوجته الطلاق الثالث لكي يجوز له العقد عليها مرة أُخرى، أن يعقد عليها رجل آخر بالعقد الدائم ويدخل بها ثم يطلقها فتحلّ عندئذ للزوج الأول. وقد كان تشريع هذا الحكم منذ البداية من أجل الحدّ من الطلاق المكرر.

6 ـ من أجل خفض نسبة الطلاق لم يجعل حق الطلاق بيد المرأة إلاّ في موارد خاصّة، وذلك لأن المرأة تغلب عليها الأحاسيس والعواطف، وقد تقع تحت تأثير العواطف وإغواء الآخرين فتقدم على ما يُلحق الأذى بحياتها وما لايُحمد عقباه.

أقسام الطلاق
أ ـ الطلاق البائن
هو الطلاق الذي لايحق للزوج بعده الرجوع إلى زوجته إلاّ بعقد، وهو على ستة أقسام:

1 ـ طلاق الفتاة التي لم تبلغ البلوغ الشرعي.

2 ـ طلاق المرأة اليائس.

3 ـ طلاق المرأة التي لم يقاربها زوجها بعد العقد.

4 ـ الطلاق الثالث لمن طلّق زوجها ثلاث مرّات.

5 ـ طلاق الخلع.

6 ـ طلاق المباراة.

<طلاق الخلع> هو طلاق المرأة التي لا تكون مستعدة لإستمرار الحياة الزوجية مع زوجها لأي سبب كان؛ فتهبه مهرها أو مالاً أخر ليطلّقها.

أمّا طلاق <المباراة> فهو الطلاق الذي لا يريد فيه الزوج زوجته ولا تريد الزوجة زوجها ـ عدم رغبتهما بإدامة الحياة الزوجية من الطرفين ـ، فتبذل الزوجة له مالاً ليُطلِّقها.

وكذلك يجب أن لا يكون المال الذي يأخذه الزوج في طلاق المباراة أكثر من المهر بل بمقداره أو أقلّ منه، ولكن في طلاق الخلع يجوز ان يكون أكثر من المهر.

ب ـ الطلاق الرجعي
يقال للحالات الأُخرى من الطلاق غير الطلاق البائن، الطلاق الرجعي.

ففي الطلاق الرجعي يحق للرجل الرجوع إلى زوجته بعد الطلاق، مادامت في العدّة. ولا حاجة إلى عقد جديد، وفيه يمكن للرجل أن يرجع إلى زوجته بطريقين:

1 ـ أن يتكلم بكلام يفيد انصرافه عن الطلاق واستمرار الحياة الزوجية، يعني أن ينشيء الرجوع.

2 ـ أن يقوم بعمل يقصد منه الرجوع، بحيث يفهم أنه رجع إليها؛ كأن يتصل بها بحيث يقال إنهما زوجان، ولا يجب الإشهاد على الرجوع ولا إخبار المرأة، بل إذا قال بدون أن يعرف أحد: رجعت إلى زوجتي. فهو رجوع شرعي.

وتجري على المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، في أيّام العدة، أحكام الزوجة الشرعية وعلى هذا تجب على الزوج نفقتها([56]) ، ويرث أحدهما الآخر، وكذلك لا يحق للزوج أن يتزوج في أيام العدّة، بأُختها أو بامرأة خامسة، ويحرم على الزوج الذي طلق زوجته طلاقاً رجعياً أن يخرجها في أيام العدّة، من البيت الذي كانت تعيش فيه حين الطلاق، كما انه ليس لها ان تسكن في غير بيتها.

وإذا طلّق الزوج زوجته مرّتين، ورجع بعد كلّ طلاق، أو طلَّقها مرتين وعقد عليها بعد كل طلاق وانقضاء العدّة، فإنها تحرم عليه بعد الطلاق الثالث، وتحلّ للزوج الأول فيما إذا تزوجت بزوج آخر بعد الطلاق الثالث زواجاً دائماً، ودخل بها الزوج الثاني ثم طلقها، فيجوز له العقد عليها مرة أُخرى. بشرط أن تتزوّج زوجاً دائماً ويدخل بها ثم يطلّقها زوجها الثاني ثم تنفصل عنها بالطلاق أو موت الزوج فبعد إنقضاء عدّتها يجوز للزوج الأول التزويج بها.

أحكام العِدّة
عدّة الطلاق
بعد طلاق المرأة من زوجها ـ إمّا بإجراء صيغة الطلاق، أو كان ذلك من موارد فسخ النكاح، أو بانقضاء المدّة، أو وهب الزوج لها المدّة في العقد المؤقت ـ يجب عليها أن تصبر خلال المدّة التي حُدّدت لها في الشريعة باسم العدّة، وأن تمتنع خلال هذه المدّة عن الزواج برجل آخر.

عدّة الطلاق للنساء اللاتي تجب عليهن العدّة ثلاثة أطهار من الحيض؛ أي إذا طلّق الزوج زوجته وكان قد قاربها، فعليها أن تعتد بعد الطلاق، يعني يجب أن تصبر بقية طهرها الذي وقع فيه الطلاق، إلى أن تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم تحيض الحيض الثالث، فإذا حاضت الحيض الثالث، فقد تمت عدّتها، ويجوز لها أن تتزوج.

أما المرأة التي لا تحيض وهي في سنّ مَن تحيض، إذا كان زوجها قد قاربها وأراد طلاقها، فيجب عليه أن لا يقاربها ثلاثة أشهر ثم يطلقها، وبعد الطلاق يجب عليها أن تعتدّ ثلاثة أشهر قمرية.

والمرأة الحامل عدّتها حتى تضع حملها، أو تسقطه. أمّا إذا كان الحمل من الزنا فالأحوط وجوباً بالإضافة إلى الشرط السابق أن تعتدّ ثلاثة أطهار أو ثلاثة أشهر من حين الطلاق أيضاً.

المرأة التي لا عدّة عليها
1 ـ لا عدّة على الفتاة التي لم تصل سن البلوغ إذا طلّقها زوجها قبل إكماله.

2 ـ المرأة التي طلّقها زوجها قبل أن يقاربها.

3 ـ المرأة اليائس.

عدّة المرأة في الزواج المؤقت
عدّة المرأة إذا كانت زوجة بالمتعة وتمّت مدتها، أو وهبها زوجها ما بقيت من المدّة، على النحو الآتي:

1 ـ إذا لم يقاربها زوجها فلا عدّة عليها.

2 و3 ـ لا عدّة على المرأة التي لم تصل سن البلوغ أو كانت يائساً حتى لو كان الزوج قد قاربها.

4 ـ المرأة التي بلغت سن البلوغ ولم تبلغ سنّ اليأس، إذا قاربها زوجها يجب أن تعتدّ على النحو الآتي:

أ ـ إذا كانت تحيض تعتدّ بحيضتين.

ب ـ إذا كانت لا ترى الحيض، يجب أن تعتدّ إلى مدة خمسة وأربعين يوماً.

ج ـ إذا كانت حاملاً عدّتها وضع حملها.

عدّة الوفاة
الزوجة التي يتوفّى زوجها يجب أن تعتدّ على النحو الآتي:

1 ـ إن لم تكن حاملاً، فيجب عليها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيّام، وأن لا تتزوّج سواء كانت صغيرة أو يائسة، أو كان زواجها دائماً أو مؤقّتاً، قاربها زوجها أو لم يقاربها.

2 ـ إذا كانت حاملاً فيجب عليها أن تعتدّ إلى وضع حملها، فإن وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشرة أيام، يجب عليها أن تعتدّ من حين وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، فعدّتها أبعد الأجلين من الحمل وعدّة الوفاة.

ما يجب على المرأة في عدّة الوفاة
على ما هو المشهور بين الفقهاء يجب على المرأة في أشهر عدّة الوفاة أن تمتنع عن الأُمور التالية:

1 ـ لبس الثياب الملوّنة فيما إذا كانت تعدّ زينة.

2 ـ الإكتحال. 3 ـ الأعمال الأُخرى التي تعدّ زينة.

أمّا نظافة البدن واللِّباس، وتسريح الشعر أثناء عدّة الوفاة فلا مانع منه.([57]) بل لايبعد أن يكون المقصود من المنع، التزيّن للتزويج قبل إنقضاء عدّة الوفاة فلا تعرّض نفسها للزواج بالتزيّن أو السلوك والكلام ونحو ذلك، مخافة تورّطها فيكون هذا الحكم احتياطي من قبل الشرع، جاء في الحديث عن عمّار الساباطي عن ابي عبدالله عليه السلام  <أنّه سأله عن المرأة يموت عنها زوجها، هل يحلّ لها أن تخرج من منزلها في عدّتها؟ قال: نعم وتختضب وتدهّن وتكتحل وتتمشّط وتصبغ وتلبس المصبّغ وتصنع ما شاءت بغير زينة لزوج>.([58])

([1]) سورة النور، الآية 32.
([2]) وسائل الشيعة، ج 20، ص 14، الحديث 4.
([3]) مستدرك الوسائل، ج 14، ص 152 و133، الحديث 15 و18.
([4]) بحار الأنوار، ج 100، ص 217، الحديث 1 ؛ وص 219، الحديث 14.
([5]) من لايحضره الفقيه، ج 3، ص 384، الحديث 4348 و4349.
([6]) مستدرك الوسائل، الباب 13 من أبواب الصوم المندوب، ج 7، ص 506 و507، الحديث 1 أي الصوم يقلل من الشهوة لاسيما فيما إذا كان بشرائطه وهو الصيام التام.
([7]) سورة الأعراف، 189.
([8]) «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزواجَا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً».
([9]) سورة الشورى، الآية 11.
([10]) أو يعلنا رضاهما بالعقد إذا كان فضولياً.
([11]) وسائل الشيعة، الحديث 1، ج 20، ص 293.
([12]) مسالك الافهام، ج 7، ص 123 ؛ سنن ابن ماجه، ج 1، ص 602 و603، الحديث 1874.
([13]) سورة البقرة، الآية 221.
([14]) وسائل الشيعة، ج 20، ص 77، الحديث 2.
([15]) المصدر السابق، ص 78، الحديث 4.
([16]) المصدر السابق، ص 79، الحديث 1.
([17]) راجع: سورة النساء، الآية 22.
([18]) راجع: الأحكام الشرعيّة، المسائل 2662 ـ 2682.
([19]) الظاهر جواز الزواج المؤقت مع الكتابيات وعدم جواز نكاحهنّ دائماً محل كلام.
([20]) راجع: المصدر السابق، المسائل 2567 ـ 2594.
([21]) سورة النور، الآية 31.
([22]) سورة النور، الآية 30.
([23]) سورة النساء، الآية 4.
([24]) الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 441، الحديث 4529.
([25]) سورة النساء، الآية 19.
([26]) سورة الروم 30، الآية 22.
([27]) شرح نهج البلاغة، ج 10، ص 47.
([28]) وسائل الشيعة، باب 6 من أبواب مقدمات النكاح، ج 20، ص 29، الحديث 2.
([29])  نهج البلاغة، الحكمة 136، ص 495.
([30]) وسائل الشيعة ـ الحر العاملي ـ ج 20 ـ ص 118.
([31]) نفس المصدر.
([32]) الإسراء، الآية 24.
([33]) بحار الأنوار، ج 101، ص 92، الحديث 16.
([34]) المتّقي الهندي، كنز العمال، ج 16، ص 444، الحديث 45346.
([35]) الاستبصار ـ الشيخ الطوسي ـ ج 3 ـ ص 240.
([36]) بحار الأنوار ـ ج 72 ـ ص 38.
([37]) إشارة إلى الآية 34 من سورة النساء: «الرّجالُ قَوّامونَ على النساءِ بما فَضَّلَ اللهُ بعضَهم على بَعضٍ وَبِما أنفَقوا من أموالِهم».
([38]) بحار الأنوار ـ ج 75 ـ ص 374.
([39]) سورة التغابن، الآية14.
([40]) غرر الحكم باب الأهل ح 2.
([41]) نهج البلاغة الحكمة رقم 352.
([42]) وقد دلّ على مشروعيته من الكتاب الكريم قوله تعالى: > فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا< سورة النساء ، الآية 24 ومن السنّة ما جاء عن النبي الأعظم2 والأئمة المعصومينG من الأحاديث الكثيرة.
([43]) وسائل الشيعة، ج 21، ص 5 و10 و11، الحديث 2 و20 و24 و25.
([44]) ومن حكمة الاعتداد: ان يعلم فيما إذا كانت حاملاً أم لا، ويتم تحديد الرجل المسؤول عن إدارة شؤون الطفل.
([45]) سورة النساء، الآية 129.
([46]) سورة النساء، الآية 3.
([47]) وسائل الشيعة، ج 21، ص 342، الحديث 1.
([48]) سنن أبي داود، ج 2، ص 243، الحديث 2135.
([49]) سورة النساء، الآية 21.
([50]) سورة الروم، الآية 21.
([51]) سورة النساء، الآية 35.
([52]) وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب الطلاق، ج 22، ص 7 ـ 9.
([53]) فيما إذا كان لا يستطيع معرفة انّها في طهر بسبب غيابه أو يكون عليه عسيراً، ولكن يصبر إلى الوقت الذي تطهر عادة من الحيض أو النفاس فيطلّقها.
([54]) سورة النساء، الآية 20.
([55]) سورة البقرة، الآية 229.
([56]) وفطرتها ان كان في شهر رمضان.
([57]) هل هذا النحو من الحداد على المرأة في عِدّة الوفاة حكم تعبّدي أو حكم مقطعي لمسايرة عواطف المجتمع وتقاليدهم ممّا لابدّ منه لعدم استجابة الظروف لتغييره أنذاك،  أو لأجل إبتعاد النساء عن الزواج قبل إنقضاء العدّة فهناك مجال للبحث.
([58]) وسائل الشيعة ج22 ص234 ح7.

الحج

الحج

في التعاليم الدينية تأكيد كثير على أداء فريضة الحج والعمرة، مع ذكر آثار هذه الفريضة. ورغم انَّ الحج عمل عبادي، وله منافع معنوية وانجذاب روحي، فإنّ له أيضا منافع اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية، فالحج من العبادات الاجتماعية في الإسلام ذات المغازي العظيمة روحياً ومعنوياً.

1 ـ الجانب العبادي للحج
الحج واحد مِن الاختبارات الإلهية الكبرى وتمهيد لتحوّل معنوي وانطلاق في السير والسلوك، وهو عبارة عن انتقال من قفص <الذات> نحو <الله>. وقد اعتبر أميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة القاصعة الحجَّ باباً من أبواب رحمة الله، ومن عوامل بناء الذات وتهذيب النفس من الرذائل.([1]) وبيَّن في خطبة أُخرى أن الحج مظهر لتواضع الناس أمام عظمة الله وإذعان منهم لعظمته وجلاله.([2]) فعلى الذي يريد أداء هذه الفريضة الكبرى ان يعمل كما قال الإمام الصادق عليه السلام : <إذا اَرَدْتَ الحجَّ فَجَرِّدْ قَلبَكَ للهِ عزّ وجلّ مِنْ قبل عزمك مِنْ كُلِّ شاغِلٍ… وَدَعِ الدُّنيا وَالرّاحَةَ والخَلْق…>.([3])

وقد يتصوّر أنّ أعمال ومناسك الحج كأَنَّها، مجموعة من الأعمال المبعثرة المنفصلة عن بعضها، غير أن الدراسة الدقيقة لها تكشف أن هذه المناسك تؤلّف سلسلة مترابطة ترمي إلى تحقيق هدف واحد، وهذا الهدف هو الانطلاق في سير انساني وسلوك روحي، للارتقاء في مراتب الطلب والحضور ومراسم الحب والإخلاص، وتنطوي بين ثناياها على الانعتاق من قوقعة الذات والذوبان في بحر الوجود. وكلّما أكثر المرء من الإمعان والتأمل في هذا المضمار، تجلّت له أُمورٌ أكثر روعة ولطافة.

قال الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام  للشبلي: <حين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية ولبست ثوب الطاعة؟ وحين تجرّدت عن مخيط ثيابك، نويت أنّك تجرّدت مِن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟ وحين اغتسلت نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ قال: لا، قال: فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت، ثم قال: تنظّفت، وأحرمت، وعقدت الحج؟ قال: نعم، قال: فحين تنظفت وأحرمت وعقدت الحج، نويت أنك تنظّفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟ قال: لا، قال: فحين أحرمت نويت أنك حرّمت على نفسك كل مُحرَّم حرّمه الله عزّ وجلّ؟ قال: لا، قال: فحين عقدت الحج نويت أنك قد حللّت كل عقد لغير الله؟ قال: لا، قال له عليه السلام : ما تنظّفت، ولا أحرمت، ولا عقدت الحج. قال له: أدخلت الميقات وصلّيت ركعتي الإحرام ولبّيت؟ قال: نعم، قال: فحين دخلت الميقات، نويت أنك بنيّة الزيارة؟ قال: لا، قال: فحين صلّيت الركعتين، نويت أنك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟ قال: لا، قال: فحين لبّيت، نويت أنك نطقت لله سبحانه بكل طاعة، وصمت عن كل معصية؟ قال: لا، قال له عليه السلام : ما دخلت الميقات ولا صلّيت، ولا لبّيت. ثم قال له: أدخلت الحرم ورأيت الكعبة وصلّيت؟ قال: نعم. قال: فحين دخلت الحرم، نويت أنك حرّمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإسلام؟ قال: لا، قال: فحين وصلت مكّة، نويت بقلبك أنك قصدت الله؟ قال: لا. قال عليه السلام : فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صلّيت. ثم قال: طفت بالبيت، ومسست الأركان، وسعيت؟ قال: نعم. قال عليه السلام : فحين سعيت نويت أنك هربت إلى الله، وعرف منك ذلك علاّم الغيوب؟ قال: لا. قال: فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان ولا سعيت. ثم قال له: صافحت الحجر، ووقفت بمقام إبراهيم عليه السلام ، وصلّيت به ركعتين؟ قال: نعم، فصاح عليه السلام  صيحة كاد يفارق الدنيا ثم قال: آه آه، ثم قال عليه السلام : من صافح الحجر الأسود، فقد صافح الله تعالى، فانظر يا مسكين لا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقّض المصافحة بالمخالفة، وقبض الحرام نظير أهل الآثام.

ثم قال عليه السلام : نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم عليه السلام : أنك وقفت على كل طاعة، وتخلّفت عن كل معصية؟ قال: لا. قال: فحين صلّيت فيه ركعتين، نويت أنك صلّيت بصلاة إبراهيم عليه السلام ، وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان؟ قال: لا. قال له: فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صلّيت فيه ركعتين.

ثم قال عليه السلام  له: أشرفت على بئر زمزم، وشربت من مائها؟ قال: نعم. قال: نويت أنك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟ قال: لا.

قال عليه السلام : فما أشرفت عليها، ولا شربت من مائها. ثم قال له عليه السلام : أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما؟ قال: نعم. قال له: نويت أنك بين الرجاء والخوف؟ قال: لا، فقال له: فما سعيت، ولا مشيت، ولا تردّدت بين الصفا والمروة. ثم قال: أخرجت إلى منى؟ قال: نعم. قال: نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟ قال: لا. قال: فما خرجت إلى منى.

ثم قال له: أوقفت الوقفة بعرفة، وطلعت جبل الرحمة، وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله سبحانه عند الميل والجمرات؟ قال: نعم. قال: هل عرفت بموقفك بمعرفة الله سبحانه أمر المعارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك واطلاّعه على سريرتك وقلبك؟ قال: لا. قال: نويت بطلوعك جبل الرحمة، إنّ الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة، ويتولّى كل مسلم ومسلمة؟ قال: لا. قال: فنويت عند نمرة أنك لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر؟ قال: لا. قال: فعندما وقفت عند العلم والنمرات، نويت أنها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر السماوات؟ قال: لا. قال: فما وقفت بعرفة، ولاطلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات. ثم قال: مررت بين العلمين. وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟ قال: نعم، قال: فحين صلّيت ركعتين، نويت أنها صلاة شكر في ليلة عشر، تنفي كل عسر، وتيسر كل يسر؟ قال: لا. قال: فعندما مشيت بين العلمين ولم تعدل عنهما يمينا وشمالاً، نويت أن لا تعدل عن دين الحق يمينا وشمالاً لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟ قال: لا. قال: فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى، نويت أنك رفعت عنك كل معصية وجهل، وثبتت كل علم وعمل؟ قال: لا. قال: فعندما مررت بالمشعر الحرام، نويت أنك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف لله عزّ وجلّ؟ قال: لا. قال: فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام. ثم قال له: وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة؟ قال: نعم. قال فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار، أنك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربك لك كل حاجتك؟ قال: لا. قال: فعندما رميت الجمار نويت أنك رميت عدوك إبليس وغضبته بتمام حجك النفيس؟ قال: لا. قال: فعندما حلقت رأسك، نويت أنك تطهّرت من الأدناس ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمك؟ قال: لا. قال: فعندما صلّيت في مسجد الخيف، نويت أنك لا تخاف إلاّ الله عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلاّ رحمة الله تعالى؟ قال: لا. قال: فعندما ذبحت هديك، نويت أنك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسّكت به من حقيقة الورع، وأنك اتّبعت سنّة إبراهيم عليه السلام بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحان قلبه، سنّة لمن بعده، وقربة إلى الله تعالى لمن خلفه؟ قال: لا. قال: فعندما رجعت إلى مكّة وطفت طواف الإفاضة، نويت أنك أفضت من رحمة الله تعالى ورجعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه، وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى؟ قال: لا. قال له زين العابدين عليه السلام : فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت فإنك لم تحج>.([4])

في مثل هذه الحالة إذا أدّى الإنسان مثل هذه المناسك فإنّها تجعله مبرّءاً من الذنوب كهيئة يوم ولدته أُمّه.([5])

تجتمع الحشود الكثيرة من المسلمين في كل سنة لأداء مناسك الحج، ولكنّهم وللأسف قلّما يستفيدون من هذه الرحلة الإيمانية رغم كل ما يبذلون من تعب ومشقّة، ونفقات هائلة، ولا ينتفعون إلاّ القليل من خصائصه المعنوية وتأثيراته الاجتماعية.

قال ابن عباس: رأيت رسول الله ص في حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل على الناس يخبرهم عن أشراط الساعة والناس في آخر الزمان وقال: <تَحُجُّ اَغْنِياءُ اُمّتي لِلنُّزْهَة وَتَحُجُّ اَوْساطُها لِلتّجارَة وَتَحُجُّ فُقَرائُهم لِلرّياء والسُّمْعَة>.([6])

هذه المخاوف التي أظهرها رسول الله ص في كلامه، تحذير للمسلمين كيلا يفقد الحج جوهره، ويكون مدعاة لأهداف غير إلهية بدلاً من أن يكون ممارسة بنّاءة.

2 ـ تأثير الحج في التوعية والتثقيف والثبات
وصف الإمام علي عليه السلام  في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة بيت الله الحرام بَعلَم الإسلام: <جَعَلَهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى لِلاِْسْلامِ عَلَما>.([7])

وقد سأل هشام بن الحكم الإمام جعفر الصادق عليه السلام  حول الغاية من الحج، فأجابه بعدما بيّن مجموعة من الغايات التي يرمي إليها الحج قائلاً: <فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا، ولتعرف آثار رسول الله ص وتعرف أخباره، ويُذكر ولا يُنسى، ولو كان كل قوم إنّما يتكّلون على بلادهم وما فيها، هلكوا وخربت البلاد وسقط الجَلَب وعميت الأخبار، ولم تقفوا على ذلك، فذلك علّة الحج>.([8])

الحج عبارة عن إطلالة على التوحيد وتاريخ حُماته والدُعاة إليه، ابتداءً من آدم عليه السلام ، ومروراً بإبراهيم عليه السلام ، وإسماعيل عليه السلام ، ثم تاريخ الإسلام ونبيّه، وهذا الصراع المحتدم على الدوام بين الإيمان من جهة والكفر والنفاق من جهة أُخرى. وببقاء الكعبة مَعْلماً قائماً ـ باعتبارها تاريخاً يتجسّد فيه التوحيد، ودلالة على أن حقائق الدّين قد انبثقت منه ـ تتخلّد ثقافة التوحيد. <لا يزال الدّين قائماً ما قامت الكعبة>.([9])

الحج ممارسة عملية لثقافة العدالة، والمساواة، والأُخوَّة، والتعاون على الخير وعلى ما فيه مصلحة للناس، وهو فرصة مناسبة لنشر الثقافة الإسلامية الغنيّة بين شريحة واسعة من المسلمين.

في الحجّ يدرك المسلمون عمق ثقافة التوحيد الإبراهيمي الخالص ويذوبون في مناسكها، دون أنْ يتنصّلوا عن عاداتهم وتقاليدهم الوطنية الخاصة التي تكوّن شكل الحياة، وليس جوهرها ومحتواها.

الحج فرصة للاطّلاع على الثقافات المختلفة وتبادلها وتعديلها وإخضاعها للمتطلّبات الفطرية السليمة، للتوصّل إلى هوية مشتركة تجمعها الثقافة الإسلامية؛ لكي يتسنّى لتلك الحشود الكثيرة عند العودة إلى بلدانها أن تغرس ما تعلّمته من أغصان الثقافة الإسلامية في جذع ثقافاتها القومية، لكي تجود متى وحيثما كانت بثمار الوحدة والسيادة والقوّة والرُّقي.

وقد بيّن الإمام الرضا عليه السلام  في رواية: <أنّ منافع الحج تعود على كل أهل الشرق والغرب، سواء من حجّوا أو من لم يحجّوا>.([10]) وهذا بحدّ ذاته يستدعي مزيداً من الدقّة والاهتمام. فهذا التجمّع ليس من نوع التجمعات الفئوية والحزبية التي نراها اليوم، وهي لاتهتم عادة إلاّ بمصالحها الحزبية والفئوية الضيّقة؛ إذ إن اجتماع الحجّ يرمي إلى تحرير الناس ومكافحة الحرمان وإيجاد الوحدة بين الشعوب والسير على طريق إصلاح العالم، ونشر نداء التوحيد في كل أرجاء المعمورة.

3 ـ الجانب الاجتماعي والسياسي للحج
جاء في القرآن الكريم: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاما لِلنَّاسِ﴾.([11]) فمن أبرز مظاهر واصالة وبقاء أيِّ شعب من الشعوب استقلاله الثقافي، والاقتصادي، والسياسي، وكذلك انسجامه وتماسكه ووحدته. وفي هذه الآية الشريفة اعتبرت الكعبة هي الوسيلة لبلوغ هذه الغاية. فاتحاد الأُمّة الإسلامية الكبرى الذي يُعتبر من أسمى القيم والأهداف السياسية والاجتماعية التي يسعى إليها الإسلام، ويمارسه الحُجّاج في أداء شعيرة الحج.

المسلمون كلهم بمثابة أُسرة واحدة يعيشون في بقاع مختلفة من العالم. وجدير بهم أن يأنسوا ويألفوا بعضهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الفئوية؛ إذ إنّ الانتماء للإسلام أسمى من الانتماء إلى شعب أو قوم أو قبيلة أو لغة.

واليوم يشعر الإنسان بالحاجة إلى مكان يحظى باحترام عالمي، ليكون على الصعيد الدولي موضعاً للمؤتمرات والتجمعات وتبادل الأفكار، ومرجعاً يُحتكم إليه لحلّ النزاعات والبتّ في الخلافات الكبرى. عسى أن يفوق الناس وينتقلوا من عالم الأحلام إلى صعيد الحقيقة. وعلى المسلمين أن يدركوا بأنّه قد وُضِعت لهم مثل هذه الجمعية العامّة التي تقترن بمراسيم معنوية وعبادية لإرساء أُسس وحدة شاملة وكاملة بينهم. ولابُدّ من الانتباه إلى أن هذه الحالة الفردية يمكن استثمارها وتوظيفها لصالح العالم الإسلامي، ولما فيه مصلحة المسلمين. وينبغي أيضاً اغتنام هذه الفرصة التي أتاحها الله للمسلمين، من أجل توحيدهم في كل المجالات: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.([12])

شروط وجوب الحج
جاء في القرآن الكريم حول وجوب الحج ما يلي: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ([13]) يجب الحجّ في العمر مرّة واحدة على البالغ العاقل المستطيع، بشرط أن لا يضطر ـ بسبب الذهاب إلى الحج ـ إلى ارتكاب حرام أوترك واجب أهم في الشرع من الحج.

أما الاستطاعة فتتحقّق باُمور وهي:

1 ـ أن يكون عنده نفقات السفر وما يحتاج إليه حسب حاله في سفر الحجّ.

2 ـ أن يكون عنده مؤونة من يجب أن يعولهم إلى حين العودة.

3 ـ السلامة الصحيّة والقدرة البدنية على أداء الحجّ.

4 ـ أن لا يكون في الطريق مانع من الذهاب وإلاياب.

5 ـ أن يكون عنده وقت بمقدار أداء أعمال الحجّ.

6 ـ أن لا يوجب الحجَّ ذهاب ملكه أو كسبه أو مهنته الذي يحتاج إليه في إعاشة نفسه ومن يعول.

أقسام الحج
الحج على ثلاثة أقسام: قسمان منه يخصّان أهل مكّة وما حولها إلى مسافة ستة عشر فرسخا ـ 5/86 كيلومتر تقريباً ـ، وهما المعروفان باسم <حج الإفراد> و<حج القِران>. والقسم الثالث ما يُسمّى بحجّ التمتّع، وهو لمن يبعد محلّ إقامته عن مكّة أكثر من هذه المسافة،([14]) وهو يشتمل على: عمرة التمتّع وحج التمتّع.

في حج التمتّع تؤدّى العمرةُ قَبلَ الحجِّ وهي مرتبطة به وتُعدُّ جزءاً منه، ويجب أداؤهما في سنة واحدة وفي أشهر الحج، ولكن في حج الإفراد وحج القِران تبقى العمرة مستقلّة عن الحج تماماً. وفي حج التمتّع يجب ذبح أو نحر الهدي في منى يوم عيد الأضحى، ويُعد مِن أعماله. وفي حج القِران يقترن الهدي منذ البداية بالإحرام مع المحرم، ويجب أن يبقى إلى يوم العيد في منى، ولكن في حج الإفراد لا يجب الهدي.

كيفية حج التمتّع
يتألّف حج التمتّع من عملين عباديين هما: <عمرة التمتّع> و<حجّ التمتّع> ويؤدّى بالترتيب كما يلي:

1 ـ عمرة التمتّع
تجب في عمرة التمتّع ستة أُمور:

الأول ـ نيّة عمرة التمتّع.

الثاني ـ الإحرام من أحد المواقيت. وتجب في الإحرام ثلاثة أشياء:

أ ـ النيّة

ب ـ لبس ثوبي الإحرام، وهما <الإزار> و<الرداء> ـ نزع الباس المخيط ولبس ثوبي الاحرام انّما يجب على الرجال ـ.

ج ـ التلبية، وهي على النحو التالي: <لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَريكَ لَك لَبَّيْكَ، ومن الأفضل والاحوط أن يضيف: إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيْكَ>.

وهناك عدّة أشياء يمتنع عنها المُحرم، وجوباً أو احتياطاً وجوبياً، ممّا يوجب ارتكاب البعض منها إعادة العمرة أو الحجّ، ويوجب ارتكاب الكثير منها دفع كفّارة، وقد ورد بيانها في مناسك الحج بالتفصيل.

الثالث ـ الطواف سبع مرّات حول بيت الله الحرام، ويجب الابتداء به من محاذاة الحجر الأسود، ويُسمّى كل دورة منه شوطاً.

الرابع ـ صلاة الطواف؛ وهو أن يصلّي بعد الانتهاء من الطواف الواجب، ركعتين خلف مقام إبراهيم بنيّة <صلاة الطواف>.

الخامس ـ السعي بين الصفا والمروة؛ وهما جبلان معروفان، وهو أن يبدأ من الصفا باتجاه المروة، ثم يعود من المروة إلى الصفا، سبع مرّات، تُسمّى كل مرّة منها شوطاً. إذن فالسعي يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة.

السادس ـ التقصير وهو أن يأخذ بعد السعي بقصد القربة، وبنيّة خالصة، شيئاً من أظافر يده أو رجله أو شيئاً من شعر رأسه أو شاربه أو لحيته. ومن الأفضل، بل الأحوط عدم الاكتفاء بقصّ الأظافر بل يقصّ مقداراً من الشعر، ولا يكفي حلق الرأس ونتف الشعر.

2 ـ حج التمتّع
واجبات حج التمتّع أربعة عشر:

الأول ـ نيّة حج التمتّع.

الثاني ـ إحرام حج التمتّع، وهو كإحرام العمرة، عدا أنه في إحرام الحج يجب أن يحرم من مكّة المكرّمة بنيّة حج التمتّع.

الثالث ـ الوقوف بعرفات؛ وهو أن يكون المحرم بإحرام الحج في ظهر يوم عرفة ـ التاسع من ذي الحجة ـ في عرفات، وينوي الوقوف هناك بنيّة القربة. ويبقى هناك إلى المغرب.

الرابع ـ الوقوف في المشعر؛ وهو أن يرحل الحاج بعد الوقوف في عرفات، عند الغروب في ليلة العيد إلى <المشعر الحرام>، ويجب أن يكون الوقوف في المشعر بقصد القربة، ووقته من طلوع الفجر إلى شروق الشمس. وأن يبقى احتياطاً ليلة العاشر في المشعر أيضاً إلى طلوع الفجر بقصد القربة.

الخامس والسادس والسابع ـ أداء مناسك منى في يوم عيد الأضحى وهي عبارة عن:

أ ـ رمي جمرة العقبة، وهو رمي سبع حجرات، سيراً على خُطى النبيّ إبراهيم عليه السلام  الذي كان يرمي الشيطان في هذا المكان.

ب ـ الهدي، والحاج مخيّر فيها بين أن ينحر بدنَة أو يذبح بقرة أو شاة. ولا يجزي حيوان آخر عن أحد هذه الحيوانات الثلاثة. والهدي، إضافة إلى ما له من آثار اجتماعية ومساعدة للمساكين، فهو يدل أيضا على التقوى والتضحية والإيثار، كما قال تعالى في القرآن الكريم: >لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ<.([15])

ج ـ حلق الرأس أو التقصير (تقصير الشعر أو الأظافر) والحاج مخيّر بين هذين الأمرين، ولكن النساء يجب أن يقصّرن فقط. وعلى من يحج المرّة الأُولى أن يحلق رأسه احتياطاً وجوبياً.

الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر ـ أداء مناسك الحرم وهي عبارة عن: الطواف، صلاة الطواف، السعي بين الصفا والمروة، طواف النساء، وصلاة طواف النساء.

الثالث عشر والرابع عشر ـ أعمال منى في أيام الحادي عشر والثاني عشر، وبالنسبة للبعض يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهي عبارة عن:

أ ـ المبيت في منى.

ب ـ رمي الجمرات الثلاثة (الأُولى، والوسطى، والعقبة) ويجب أن يرمي في كل يوم سبع حصيات لكل واحدة من الجمرات الثلاث.

العمرة المفردة
من المستحبات المؤكّدة التي عبّرت عنها الروايات بالحج الأصغر، هي العمرة المفردة. ويمكن أداؤها في كل أوقات السنة، وهناك تأكيد كثير على عمرة شهر رجب.

واجبات العمرة المفردة التي يجب أن يكون فيها قصد القربة عبارة عما يلي: النيّة، الإحرام، الطواف، صلاة الطواف، السعي بين الصفا والمروة، حلق الرأس أو التقصير، طواف النساء، صلاة طواف النساء.

زيارة قبر النبيّ ص وأهل البيت عليهم السلام
أحد الأُمور التي يهتمّ بها أتباع أهل البيت عليهم السلام  هو زيارة قبر النبيّ ص، وقبور الأئمة المعصومين عليهم السلام . وتعود أسباب هذا الاهتمام إلى تأكيدات كثيرة وردت عنهم. فقد جاء في روايات أهل السنّة عن النبيّ ص أنه قال: <مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْني فَقَدْ جَفاني>.([16]) وفي مصادر الشيعة أيضاً روايات كثيرة تحثّ على زيارة قبر النبيّ ص وقبور أهل بيته. فهذه الأماكن يُستجاب فيها الدعاء وتغفر الذنوب.

جاء في رواية: <إنَّ لكلّ إمامٍ عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم>.([17]) وفضلاً عن ذلك ففي زيارة قبورهم آثار وفوائد اجتماعية ومعنوية جمّة. ففي زيارة قبورهم تمتين لأواصر العلاقة بهم وترسيخ لمحبّتهم في القلوب.

تقترن زيارة القبور عادة باجتماع المؤمنين وتآلفهم وتعارفهم على غيرهم، وانبثاق روح الأُخوّة والمساواة والاستعداد للانصياع للأوامر الإلهية واجتناب الأهواء النفسية. والأدعية المأثورة التي تُقرأ في هذه المناسبات زاخرة بهذه المعاني، والاعتراف بقدسية الإسلام ورسالة النبيّ ودعوة كل مسلم إلى أداء ما عليه من فرائض دينية، والخشوع لله، والعمل بالأوامر واجتناب النواهي والمعاصي.([18]) بل إنّ بعض هذه الزيارات مثل زيارة <أمين الله> وردت في أبلغ تصوير لوحدانية الله والخشوع التام له.

ومما جاء في آداب الزيارة، أن يقول بعد الانتهاء من صلاة الزيارة: <اَللهُمّ إنّي لَكَ صَلَّيْتُ وَلَكَ رَكَعْتُ وَلَكَ سَجَدْتُ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَك، فَإِنَّهُ لاتَجُوزُ الصَّلاة وَالرّكوع والسُّجُود اِلاّ لَكَ لاَِنَّكَ اَنْتَ اللهُ الذي لا اِلهَ اِلاّ اَنْتَ. اَللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ…>.([19])

ولهذا ينبغي عند زيارة الأئمة الأطهار عليهم السلام  التوجّه إلى توحيد الله وربوبيّته، والتوسّل بالنبي ص والأئمة عليهم السلام ؛ أي جعلهم وسيلة للتقرّب إلى الله، والأخذ بسيرتهم في عبوديّتهم لله وأن تؤخذ بعين الاعتبار سلوكهم مع الآخرين لانّهم هم القدوة والاسوة الحسنة.

([1])  نهج البلاغة، الخطبة 192، ص 292 ـ 294.
([2]) المصدر السابق، الخطبة 1، ص 45.
([3]) مصباح الشريعة، ص 86 و89.
([4]) مستدرك الوسائل، ج 10، ص 166 ـ 172، الحديث 5.
([5]) الكافي، ج 4، ص 252، الحديث 2.
([6]) بحار الأنوار، ج 6، ص 308، الحديث 6.
([7])  نهج البلاغة، الخطبة 1، ص 45.
([8]) الصدوق، علل الشرايع، الباب 142، ج 2، ص 109، الحديث 6.
([9]) الكليني، الكافي، ج 4، ص 271، الحديث 4.
([10]) وسائل الشيعة، ج 11، ص 13، الحديث 15.
([11]) سورة المائدة، الآية 97.
([12]) سورة الحج، الآية 28.
([13]) سورة آل عمران، الآية 97.
([14])في بعض الحالات يُستبدل واجب بعض الأفراد المرضى أو المعذورين من حج التمتّع إلى حج الافراد.
([15]) سورة الحج، الآية 37.
([16]) راجع: الجزري، عبدالرحمن، الفقه على المذاهب الاربعة، ج 1، ص 711 ـ 715؛ كنز العمال، ج 5، ص 135 و136، الحديث 12368 ـ 12373، الحديث 42582 ـ 42584؛ وج 15، ص 651 و652؛ وقريب من هذا المضمون في وسائل الشيعة ج 14، ص 333.
([17]) الحرّ العاملي، ج 14، ص 322، الحديث 5.
([18]) على سبيل المثال راجع: ابن قولويه، كامل الزيارات، ص 250.
([19]) مفاتيح الجنان، الزيارة السابعة من زيارات الإمام الحسينC المعروفة بزيارة وارث.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من أهم التعاليم السياسية الاجتماعية في الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي عبر عنهما أميرالمؤمنين ع بقوله: <وما أعمال البرّ كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجّي، وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق. وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر>.([1]) ومفاد هذا الحكم الإلهي تحمّل المسؤولية الاجتماعية المفروضة على جميع المسلمين، وإلقاء المسؤولية على كل واحد منهم إزاء سلوك الآخرين.

والحقيقة هي أن الدور التربوي للمجتمع ومسؤوليته، قد جعل بالنحو الذي يدفع كل فرد للنهوض بدوره؛ لكي يغدو السلوك الصحيح والمحمود اتّجاهاً عاماً يسير عليه الجميع، ولكي يُجابَه السلوك المنكر والقبيح بردود فعل رادعة من قبل المجتمع لتزول موجبات وقوعه.

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراحل، نلخّصها في ما يلي:

المرحلة الأُولى: هي أن يستنكر المسلم بقلبه أيّ عمل قبيح، وينبغي أن يظهر هذا الاستنكار في وضعه وسلوكه الظاهري، لكي يتنبّه فاعل المنكر إلى قبح عمله ويشاهد تأثيره السلبي ويكفّ عنه.

وعلى العكس من ذلك ينبغي إظهار الارتياح إزاء الأعمال الحسنة، ليكون في ذلك تشجيعاً لفاعل الخير والمعروف على الاستزادة منه.

أمّا المرحلة الثانية: فهي التصريح بالكلام عن الرضا أوالسخط إزاء المعروف أو المنكر؛ وهذا يتضمّن الترحيب بفعل المعروف وفاعله، سواء بالقول أو الكتابة. وفي مقابل ذلك إظهار الرفض والاستنكار بالكلام لكل فعل قبيح. وهذه المرحلة قد لايقدر عليها جميع الناس. وكل إنسان مكلّف في هذا المجال على قدر طاقته.

في هذه المرحلة يمكن توظيف جماعات سياسية واجتماعية كالأحزاب والمنظَّمات والنقابات المهنية والثقافية ووسائل الإعلام العامّة لأداء ما عليها من مسؤولية في هذا المضمار. فالعقل يحتّم على كل مسلم أن ينهض بواجبه الديني والاجتماعي على أفضل نحو ممكن. وإذا كان تأسيس النقابات والجمعيات والأحزاب يساعد على أداء هذا العمل بشكل أفضل، فعليهم المبادرة إلى تأسيس مثل هذه التنظيمات.

ومن أعظم ثمار توسيع هذه المسؤولية الاجتماعية هي مشاركة كل المسلمين في تقرير مصيرهم، بحيث يكون في ذلك رادع يمنع كل من تسوّل له نفسه تجاوز حدوده القانونية.

وانطلاقاً من هذه الرؤية جاء في كلام الإمام علي بن موسى الرضاC: <لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْروفِ وَلَتنهُنَّ عَنِ الْمنكَر أو لَيُسْتَعْمَلُنَّ عَلَيْكُمْ شِرارُكُمْ فَيَدْعُو خِيارُكُمْ فَلا يُسْتَجابُ لَهم>.([2])

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني منح تخويل رسمي لكل من يمارس دور الرقابة والإشراف. وعلى الرغم من تأكيد الشرع والعقل على هذا العمل، إلاّ أن الأفراد يتنصّلون عادة عن هذه المسؤولية ويتملّصون منها خشية ما ينجم عنها من متاعب ومخاطر، ولكن يوجد في كل عصر من ينهض بها بكل جرأة وإقدام، قال رسول الله2 <يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد>،([3]) قال تعالى:> الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ<([4]).

ولابدّ من التنبيه إلى أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عامة، أي أنّها واجب يقع على كل مسلم بعينه، ولكن إذا نهض بها من يفي بالغرض ينتفي حكمها عن الآخرين، قال تعالى> وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ<([5]).

وقد دعا القرآن الكريم إلى تحمّل أعباء هذه المسؤولية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.([6]) لايبعد استفادة لزوم تشكيل لجان خاص تتصدّى للامر بالمعروف من الآية المباركة لاسيّما مع ملاحظة شرائط هذا الحكم ومراتبه لانّه كثيراً ما يكون إحراز بعض المراتب والشرائط، لعامة الناس مشكل ولا منافات بين تكليف عامّة الناس وبين لزوم تشكيل لجان خاصة بذلك.

الملاحظة الأُخرى: هي أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشترط فيه التأثير. فلو أدّى هذا العمل إلى عناد المقابل وإصراره على فعله، أو قد لايؤثر فيه ، أو إذا كان فيه خطر أو ضرر على أحد، ينتفي حكمه كذلك.

أمّا الحالات المهمّة التي فيها مساس بالدين أو تحريف له، فلابدّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى وإن كان في ذلك خطر أو ضرر على النفس والمال.

المرحلة الثالثة: وهذه المرحلة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص الحكومة الصالحة التي تتوفّر فيها الشروط. وهو ما سيأتي بحثه لاحقاً.([7])

([1])  نهج البلاغة، الحكمة 374، ص 542.
([2]) وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب الأمر والنهي، ج 16، ص 118، الحديث 4.
([3]) وسائل الشيعة ج27 ص151.
([4]) سورة الحج، الآية41.
([5]) سورة التوبة، الآية 71.
([6]) سورة آل عمران، الآية 104.
([7]) راجع: البند «و» من المورد الخامس من الوظائف السياسية والاجتماعية، في هذا الكتاب.

الصوم

الصوم

الصوم من العبادات التي لها معطيات مادية ومعنوية مؤثّرة جداً في سلوك الانسان، سواء على صعيد الإصلاح الفردي وتهذيب النفس، أم على الصعيد الاجتماعي.

وهذه العبادة من تشريعات الدّين الإسلامي، بل وسائر الأديان الإلهية، > يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ <([1]) ولو روعيت آداب الصيام وشروطه، لكانت لها تأثيرات بالغة. فصوم شهر كامل بالنسبة للإنسان الذي يحول معترك الحياة اليومية دون اهتمامه بنفسه، يوفّر له فرصة لتحرير نفسه واكتساب قيم معنوية، وتقوية إرادته وبناء ذاته، وكسب مزيد من التقوى ليعيش بقية أشهر السنة حياة تغمرها النزاهة والنقاء. فالصائم يدرك معاناة الفقراء والمحرومين في المجتمع، ويحس ما عليه من المسؤولية ازاءهم، فيحرص على مدّ يد العون لهم، وبهذا يجني المجتمع بعض ثمار الصوم.

الصوم معناه الإمساك والامتناع. وهو في المصطلاح الشرعي يعني أن يمتنع الصائم من أوّل طلوع الفجر إلى المغرب عن فعل مجموعة من الأُمور. ومنها أن يمسك عن الأكل والشرب والمجامعة وغيرها من الأُمور التي تُبطل الصوم. مضافاً إلى ذلك يحرص على أن لايصدر منه إثم أومعصية، فضلاً عن الاحتراز عن الرذائل الأخلاقية؛ لأن هذه الأُمور لاتنسجم مع العبادة. ورد في حديث صحيح أن الإمام جعفر بن محمد الصادق عقال: <الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح ودَع المِراء>.([2])

وقال ع: <إذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع اعضائك من القبيح، ودع عنك الهذي، وأذى الخادم وليكن عليك وقار الصائم، والزم ما استطعت من الصمت والسكوت إلاّ عن ذكر الله ولاتجعل يوم صومك كيوم فطرك>.([3])

أشار الله عزّ وجلّ في سورة البقرة إلى أن الصوم كان في تشريعات الأمم الماضية أيضاً كما ذكرنا، مبيّناً أن الأثر المهم للصوم هو بلوغ مقام التقوى، ثم ذكر في الآيات التالية زمان الصوم وشروطه.([4]) وجاء في حديث قدسي: <اَلصَّوْمُ لي وَاَنَا اَجْزي عَليه>.([5])

وكتب أبوالحسن علي بن موسى الرضا إلى من سأله عن علّة الصوم: <لعرفانِ مَسّ الجوع والعطش، ليكون العبد ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً فيكون ذلك دليلاً على شدائد الآخرة، مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات واعظاً له في العاجل دليلاً على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا فيؤدّوا اليهم ما افترض الله لهم في أموالهم>.([6])

وجاء عن الإمام الصادق أنّه قال: <إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة، فليصم>.([7]) وجاء أيضا <صوموا تَصِحّوا>.([8]) نعم! انّ للصوم هذه الفوائد فضلاً عن آثاره التربوية وتهذيبه للنفس.

الذين لايجب عليهم الصوم

الاشخاص الذين رُخصّ لهم في الافطار:

1- من لم يكن قادراً على الصيام فعليه على الاحوط وجوباً إذا كان متمكّناً مالياً ان يدفع لكل يوم فدية طعام وهي 750 غرام من الطعام كالحنطة والشعير والدقيق والارز ونحوها يدفعها إلى الفقير وهذا المقدار هو الحدّ الادنى.

2- من يشقّ عليه الصيام لكبر سنّه، كالشيخ والشيخة فعليه الفدية بدلاً عن الصيام ويلحق بهما بعض من يكون في بداية تكليفه، كالفتاة في اوائل بلوغهنّ حيث يشقّ عليهنّ الصيام، والاحوط على غير مثل الشيخ والشيخة، القضاء إذا كان قادراً من دون مشقّةٍ.

3- ذو العطاش وهو من لا يقدر على الصبر على العطش فيشقّ عليه الصوم فعليه الفدية بدلاً عن الصيام.

4- من يعاني من الضعف أو المرض مؤقّتاً فيما إذا كان يضرّ به الصوم أو كان سبباً في تأخير برئه فعليه القضاء فقط اللّهمّ إذا استمرّ به المرض أو الضعف إلى شهر رمضان القادم فحينئذ ليس عليه القضاء ولكن الاحوط وجوباً فيما إذا كان متمكّناً ماليّاً ان يدفع الفدية بدلاً عن الصيام.

والمُشخّص لعدم القدرة على الصيام والاضرار، الشخص نفسه، وقد جاء في الحديث: قال الإمام في جواب من سأله عن حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار فقال ع:<ذلك إليه هو أعلم بنفسه إذا قوي عليه فليصم>([9]).

فإذا لم يُشخّص بنفسه، يعتمد على تشخيص الطبيب الذي يوجب قوله الوثوق أو يدخول في النوع التالي.

5- من يحتمل احتمالاً عقلائياً في اضرار الصيام بصحّته فلا يجب عليه الصوم إلى أن يرتفع احتمال الضرر فعليه القضاء.

6- الحامل التي يضرّها الصوم أو يضرّ ولدها سواء في ذلك المقُرب وغيرها.

7- المرضعة القليلة الحليب التي إذا صامت مع الارضاع أضرّ بها الصوم أو قلّ حليبها فأضرّ بولدها فيلزمها الافطار حينئذ فعليها القضاء امّا إذا أمكنها تعويض ذلك بالحليب الصناعي أو الحيواني أو بارضاع امرأة اخرى متبرّعة بذلك أو مستأجرة مع التمكّن من دفع اُجرتها فلا يجوز لها الافطار.

8- أصحاب المهن التي لا تنسجم مع الصيام لكونه شاقّاً مشقّة شديدة مع عدم قدرتهم على تحصيل عمل آخر مربح، وعدم وجود مال مُدّخر أو دين يستغنون به مؤقّتاً أو عدم إمكان التخلّي عن عملهم وعدم إمكان أخذ الإجازة في شهر المبارك، فيجوز لهم الافطار وعليهم القضاء.

مبطلات الصوم

الأُمور التي تُبطل الصوم عشرة:

1 و2 ـ الأكل والشرب.

3 ـ الجماع.

4 ـ الاستمناء.

5 ـ البقاء على الجنابة أو الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر.

6 ـ الحقنة بالمائعات.

7 ـ التقيّؤ عمداً.

8 ـ على الأحوط وجوباً الكذب على الله ورسوله2 والأئمة المعصومين ع ، والكذب على سيدة النساء فاطمة الزهراء÷أيضاً، وسائر الأنبياء ع .

9 ـ إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق على الأحوط وجوباً.

10 ـ غمس تمام الرأس في الماء على الأحوط وجوباً.

أحكام الصوم

1 ـ يجب على مَن يريد الصيام أن ينوي في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، صوم الغد، ولكن الأفضل أن يُضيف إلى ذلك نيّة صيام الشهر كُلّه في الليلة الأُولى. ولايجب استحضار النيّة في القلب ولا التلفّظ بها باللسان، بل يكفي أن يُمسك عمّا يُبطل الصوم عن التفات من أجل امتثال أمر الله.

2 ـ إذا أكل الصائم أو شرب شيئاً عن نسيان، لا يبطل صومه، سواء كان صومه واجباً أم مستحبّاً.

3 ـ إذا كان في الصوم ضرر عليه لا يجب عليه الصوم، وإذا صام مع وجود الضرر فصومه باطل ويجب عليه قضاؤه.

4 ـ من كان على جنابة وأراد أن يصوم صوماً واجباً معيّن الوقت ـ كصوم شهر رمضان ـ إذا لم يغتسل عمداً إلى أن ضاق الوقت، عليه أن يتيمّم ويصوم.

5 ـ إذا نام الجنب في ليلة شهر رمضان واستيقظ، فالأحوط وجوباً أن لاينام ثانية قبل أن يغتسل، وإن احتمل أنه إذا نام ثانية فسوف يستيقظ قبل طلوع الفجر.

6 ـ المرأة التي لم تصم بسبب الحيض أو النفاس يجب عليها بعد أن تطهر قضاء الأيام التي لم تصمها، والتي تطهر من دم الحيض في دورتها الشهرية قبل طلوع الفجر وكذلك النفساء بعد نقائها لابّد ان تغتسل إنْ وسعها الوقت والاّ تتيمّم.

7 ـ المسافر الذي يجب عليه التقصير في صلاته لا يجوز له أن يصوم. أما المسافر الذي يتمُّ في صلاته، يجب عليه الصوم في السفر.

8 ـ من كان صائماً وأراد السفر فانَّ لذلك عدّة حالات وهي:

أ ـ إذا سافر قبل الظهر، وكان قاصداً المسافة الشرعية (ثمانية فراسخ ذهاباً أو أربعة فراسخ ذهاباً وأربعة فراسخ إياباً) وجاز قبل الزوال حدّ الترخُّص([10]) ـ أي ابتعد عن البلد بمقدار اختفى معالمه عن ناظريه ـ يبطل صومه وعليه قضاؤه.

ب ـ إذا سافر قبل الظهر أقل من المسافة الشرعية، صومه صحيح ويجب أن يكمّله.

ج ـ إذا سافر بعد أذان الظهر، صومه صحيح ويجب أن يكمّله.

9 ـ إذا وصل المسافر في شهر رمضان قبل الظهر إلى وطنه أو إلى المكان الذي يريد الإقامة فيه عشرة أيام، ولم يرتكب شيئاً من المفطرات، يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم. أمّا إذا ارتكب المفطرات، فهو غير صائم ويجب عليه قضاء ذلك اليوم.

10 ـ من أفطر في شهر رمضان عمداً وبلا عذر يجب عليه القضاء والكفّارة. وهو مخيّر في كفّارة صيام شهر رمضان بين احد الأمور التالية:

أ ـ صوم ستين يوماً، على أن يصوم واحداً وثلاثين يوماً منها على التوالي وامّا في الباقي فيجوز له الصيام متفرّقاً أو متوالياً.

ب ـ أن يعطي ستين مُدَّ طعام لستّين فقيراً ـ والمدّ 750 غرام ـ، أو إشباع ستّين فقيراً.

تكريم شهر رمضان

من المناسب في شهر رمضان أن يكثر الإنسان من الإهتمام بالأعمال الصالحة وفعل الخيرات أكثر من غيره من الشهور، واغتنام ليالي القدر لنيل بركاتها، ومن المناسب أيضاً أن يقرأ القرآن كُلّه بتدبّر ودقّة، وأن يبدي مزيداً من الرأفة بمن هو مسؤول عنهم، وأن يمدّ العون للمساكين على قدر استطاعته. وقد روي عن رسول الله2 أنه قال: <يا معشر الناس إذا طلع هلال شهر رمضان غُلّت مردة الشياطين وفتحت أبواب السماء وأبواب الجنان وأبواب الرحمة، وغُلقت أبواب النار واستجيب الدعاء>.([11])

طرق إثبات الهلال

طرق إثبات الأشهر القمرية ومنها شهر رمضان المبارك:

إنّ إثبات الأشهر القمرية لها أهمية بالغة مغفول عنها لترتّب بعض الأحكام الشرعية أعم من الواجب والحرام والمستحب والمكروه عليها مضافاً إلى وجود مناسبات تاريخية مرتبطة بأيّامها كالمواليد والوفيات.

ومن أبرز مصاديق تلك الأيّام: إثبات أوّل شهر رمضان المبارك وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة ويوم الغدير ويوم عاشوراء والأربعين والمنتصف من شهري رجب وشعبان وأيّام البيض وايّام التشريق ويوم ميلاد النبي2 ويوم وفاته كذلك ميلاد الأئمة المعصومين ووفياتهم و…

وكيف ما كان يثبت الهلال، أي أوّل كل شهر من الشهور القمرية بما يلي:

1- أن يرى الإنسان بنفسه مباشرة الهلال رؤية قطعية.

2- أن يشهد بالرؤية رجلان عادلان شريطة ان لا تكون شهادتهما معارضة بما يوجب الخلل في مستوى كاشفية الشهادة، كقول الرصديين بامتناع الرؤية أو تفرّدهما بالرؤية مع تصدّي الأخرين للاستهلال في المنطقة نفسها وعدم رؤيتهم.

3- أن يشهد بالرؤية جماعة كثيرة بحيث يوجب الوثوق والاطمئنان من قولهم ـ لابدّ أن يؤخذ بعين الاعتبار في الشيوع، أرضية تحقّق مثل هذا الشياع اذ قد يكون مصدر الشياع خبر آحاد وشهادتهم ـ وأيضاً المضاعفات تؤثّر في تحقّق الإطمئنان وعدمه كدعوى الرصديين بإمتناع الرؤية أو امكانيتها.

4- مضيّ ثلاثين يوماً من رؤية هلال الشهر السابق (إكمال العدّة).

5- إعلان المراصد المعتبرة إذا يحصل من قولهم العلم والإطمئنان بوجود الهلال وإمكانية رؤيته.

وهذا يعني الاعتماد على الجهد العلمي والمحاسبات الدقيقة التي تؤدّي إلى اليقين لا التعويل على الحدس والحساب الظنّي.

6- حكم الحاكم الإسلامي ما لم يعلم خطؤه أو خطأ مستنده فلا يمكن الاعتماد على حكمه إذا كانت فتواه مخالفةً لفتوى غيره.

أحكام الهلال

1- يكفي في ثبوت الهلال في بلدٍ ثبوته في أيّ بلد آخر يشترك معه ولو في جزء من الليل على نحو يكون غروب الشمس في بلد الرؤية قبل طلوع الفجر في بلد المكلف.

2- كما يُعتمد على الرؤية بالعين المجرّدة كذلك تكفي الرؤية بالناظور والتلسكوب ونحوه.

3- إذا ثبت هلال شهر رمضان وجب الصيام وإذا ثبت هلال شهر شوال وجب الإفطار.

4- إذا لم يثبت هلال شهر رمضان فلا يجب صيام يوم الشك بل لا يجوز صيامه على انّه من شهر رمضان نعم يُستحبّ صيامه بنيّة شعبان فان كان من شهر رمضان يكون يوماً وُفّق له، كما له أنْ يصوم بنيّة القضاء، وإن تبيّن بعد ذلك كونه من شهر رمضان اجزأه ذلك وكفاه.

5- إذا لم يثبت هلال شوال فيجب عليه إتمام ثلاثين يوماً من شهر رمضان فلا إثم عليه وان كان في الواقع يوم الفطر مادام لا يعلم به، فإن تبيّن اثناء النهار انّه من شوال وجب عليه الافطار.

([1]) البقرة، الآية 183.

([2]) الكافي، ج 4، ص 87، الحديث 3.

([3]) بحار الأنوار، ج 93، ص 292، باب آداب الصائم، الحديث 16.

([4]) سورة البقرة، الآيات 183 ـ 185.

([5]) الكافي، ج 4، ص 63، الحديث 6 ؛ بحار الأنوار، ج 93، ص 255.

([6]) وسائل الشيعة: ج10 ص8 ح3و5.

([7]) الكافي، ج 4، ص 63 و64، الحديث 7.

([8]) بحار الأنوار، ج 93، ص 255، الحديث 33.

([9]) وسائل الشيعة: ج10 ص220 ح3.

([10]) وقد ذكرنا في أحكام صلاة المسافر ان ثمانية فراسخ يساوي 200/43 كيلو متر وان حدّ الترخّص هو تقريباً مقدار كيلومتر واحد.

([11]) المعزّي، جامع أحاديث الشيعة، ج 10، ص 141، الحديث 14395.

الصلاة

الصلاة

الصلاة هي المناجاة وإظهار العبودية والشكر ـ بطريقة معيّنة وشكل خاص ـ أمام الإله الذي يؤمن به الإنسان، ويعتقد أن وجوده وما لديه من النعم كلّها من عنده سبحانه. والصلاة علاقة معنوية بين المخلوق والخالق، ويستعين به ليتمكّن من حفظ إنسانيّته والسير على طريق الحق والحقيقة. وهناك في الدّين تعاليم تبيّن للمكلّفين كيفية المناجاة مع خالقهم وترشدهم إلى الصفات التي يليق أن ينعتونه سبحانه بها.

أهمّية الصلاة

للصلاة تأثير مهم في تهذيب الإنسان والارتقاء به نحوالكمال. والصلاة تنتشل الإنسان من الهواجس والاضطراب؛ لأنّ ذكر الله يبعث في القلوب السكينة: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾([1]) وهي أعظم ذكر لله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾،([2]) وهي أيضاً عمود الدّين: <الله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم>.([3]) ولو روعيت كل شروط الصلاة وآدابها فإنّها كفيلة بتطهير النفس من الرذائل والمنكرات ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.([4]) فالصلاة ذات تأثير بالغ في صياغة شخصية الإنسان بحيث إنه إذا التزم المصلّي بكل شروطها فهي تردعه عن القبائح والرذائل. نضرب مثالاً على ذلك أنَّ أحد شروط الصلاة هو أن لايكون مكان المصلّي وثوبه مغصوباً، ولاتصح صلاته حتى وإن كان في ثيابه خيطٌ واحد مغصوب. وعندما يجد المصلّي نفسه ملزماً باجتناب الحرام إلى هذا الحد، فمن الطبيعي أن لايتصرّف في مالٍ حرام ولايَظلم أحداً حقّه أبداً. كما أنّ الصلاة تكون لها تأثيرات معنوية أيضاً فيما إذا اجتنب الإنسان الرذائل الأخلاقية كالبخل والحسد وغيرهما.

وإذا كان البعض ممّن يؤدّون الصلاة يقترف بعض الممارسات القبيحة فإنَّ سبب ذلك يعزى إلى عدم التزامه بالتعليمات اللازمة في الصلاة، وبالنتيجة لاتترك الصلاة التأثير اللازم فيه، ولايقطف شيئاً من ثمارها. روي عن رسول الله ص أنه قال: <أنّما مثل الصلاة، فيكم كمثل السري ـ وهو النهر ـ على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم والليلة يغتسل منه خمس مرّات فلم يبق الدّرن مع الغسل خمس مرّات، ولم تبق الذنوب مع الصلاة خمس مرّات>.([5])

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام  أنه قال: <إنَّ أول ما يحاسب العبد عليه الصلاة فإذا قُبِلَتْ قُبل سائر عمله وإذا رُدّت عليه رُدّ سائر عمله>.([6])

وروي عن ابي جعفر الباقر عليه السلام  انه قال: <الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبت الأوتاد والاطناب، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب>.([7]) وعلى العموم فقد أعطت الشريعة المقدّسة أهمية كبرى للصلاة، بحيث أنّها أوجبتها في كل الأحوال وحتى في حالة الاحتضار، وإذا تعذّر على المحتضر التلفّظ بالصلاة بلسانه، عليه أن يصلّي بقلبه. وكذلك إذا تعذّرت عليه الصلاة أثناء الحرب والخوف من العدو يصلي صلاة الخوف، أو إذا لم يتمكّن من تحصيل بعض شرائطها كالاتجاه نحو القبلة، لايجب عند ذاك الصلاة نحو القبلة، ولكنّها تجب على كل حال.

وقد ورد الكثير من الذم والتقبيح لِمن يستخفّ بالصلاة ولايرعاها حق رعايتها. قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ! الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾.([8]) وعلى هذا يتعيّن الاهتمام بأمر الصلاة وأدائها في أول وقتها قال رسول الله ص: <ليس منّي من استخفّ بصلاته …>.([9]) وروي عن الإمام الكاظم عليه السلام  أنه قال: <لما حضرت أبي الوفاة، قال لي: يا بنيّ أنه لاينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة>.([10])

وروي عن الامام الباقر عليه السلام  أنه دخل رجل مسجداً فيه رسول الله ص فخفّف سجوده دون ما ينبغي ودون ما يكون من السجود، فقال رسول الله ص: <نقر كنقر الغراب، لو مات هذا على هذا مات على غير دين محمد>.([11])

لقد خُلق الإنسان من أجل بلوغ الكمال، ولايمكن له التكامل إلاّ من خلال الارتباط بالله. وأفضل وسيلة للارتباط بالله هي الصلاة. وهذا ما يفرض أن تؤدّى الصلاة بتوجّه قلبي تام وخشوع ووقار من غير الاستعجال والغفلة، وعليه ان ينتبه أنه مع من يتكلّم ويناجيه.

وعلى أيّة حال فإن لترك الصلاة آثار سيّئة في حياة الإنسان، مضافاً إلى حرمانه من رحمة الله، ويتبعه عذاب أُخروي. جاء في القرآن الكريم >مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ !قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ<([12])

 

انواع الصلاة الواجبة

على كل مكلّف انواع من الصلوات الواجبة وهي عبارة عن:

1 ـ الصلوات اليومية 2 ـ صلاة الجمعة 3 ـ صلاة الآيات 4 ـ صلاة الميّت 5 ـ صلاة الطواف الواجب 6ـ قضاء ما فات من صلاته 7ـ قضاء ما فات من صلاة الوالد على الابن الأكبر، وما فات من الوالدة ايضاً على الاحوط 8 ـ ما يجب من الصلاة بالإجارة أو النذر أو العهد أو القسم 9 ـ صلاة عيدي الفطر والأضحى عند توفّر شروطهما.

 

مقدّمات الصلاة

هناك مجموعة من المقدّمات التي لابدّ من توفّرها للصلاة حين الوقوف بين يدي الله وإظهار العبودية له، ولاتصح الصلاة من غير أداء هذه المقدّمات. وهذه المقدّمات عبارة عن: الوقت، المكان، القبلة، الثياب والطهارة.

 

وقت الصلاة

الصلوات اليومية التي يجب على المسلم المكلّف أداؤها، هي خمس صلوات، وهي: صلاة الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. ويجب أداء كل واحدة منها في وقتها.

1 ـ صلاة الصبح، ركعتان ووقتها من أول بياض الصبح ـ أي طلوع الفجر ـ إلى حين شروق الشمس.

2 ـ صلاة الظهر، أربع ركعات (في غير السفر) ووقتها من أوّل الظهر إلى مقدار أربع ركعات قبل غروب الشمس (وهو الوقت المخصّص لصلاة العصر)، والمراد من الظهر اوّل الزوال وهو لحظة ميل الشمس نحو الغروب في منتصف النهار ـ ما بين طلوع الشمس وغروبها ـ.

3 ـ صلاة العصر، أربع ركعات (في غير السفر) ووقتها من بعد أربع ركعات بعد أوّل الظهر (وهو الوقت المخصّص لصلاة الظهر) إلى غروب الشمس.

4 ـ صلاة المغرب، ثلاث ركعات، ووقتها من أوّل الغروب إلى منتصف الليل، والغروب هو إختفاء قرص الشمس عن الافق، ولكن الاحوط التأخير إلى المغرب وهو بعد اثنتي عشرة دقيقة تقريباً بعد الغروب.

5 ـ صلاة العشاء، أربع ركعات (في غير السفر) ووقتها من بعد ثلاث ركعات من أوّل المغرب (وهو الوقت المخصّص لصلاة المغرب) إلى منتصف الليل، وانّ أخّرها إلى منتصف الليل فيصلّيها بنيّة ما في الذّمة إلى طلوع الفجر.

مكان المصلّي
يجب أنْ تتوّفر في مكان المصلّي الشروط التالية:

1 ـ الإباحة أي لايكون المكان مغصوباً فمع العلم بالغصبية والعلم بالحرمة والتعمّد تبطل الصلاة فلو كان جاهلاً بالغصب أو بالحرمة أو كان ناسياً للغصب ولم يكن هو الغاصب فالصلاة صحيحة.

2 ـ السكون وعدم الحركة. فلا تصح الصلاة في الأماكن التي لا استقرار فيها ولا سكون كالمواضع النابضة أو على ظهر الدابة السائرة أو في السفينة التي تتمايل بشدّة في بحر هائج إلاّ عند الاضطرار مثل ضيق الوقت. وعند الاضطرار أيضاً يجب المحافظة جهد إلامكان على صورة الصلاة، وأن يتوقف المصلي عن الصلاة عند اهتزاز أو تحرّك المكان، ومتى ما انحرفت واسطة النقل عن القبلة يجب أن يستدير هو أيضاً تجاه القبلة.

3 ـ طهارة موضع السجود ـ سواء من النجاسة السارية أو غيرها ـ وغير موضع السجود يجب أن يخلو أيضاً من النجاسة السارية.

4 ـ استواء موضع الصلاة، بحيث لايكون موضع الجبهة أعلى أو أدنى من موضع قدميه بمقدار أربعة أصابع مضمومة.

5 ـ يجب أن يكون موضع المصلّي بحيث يستطيع القيام والركوع والسجود بشكل صحيح، إلاّ عند الاضطرار حيث يجب عليه أداؤها بالقدر الممكن.

 

القِبلة

ليس هناك اتجاه معيّن للتوجّه إلى الله وعبادته، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.([13]) غير أنّ الكعبة قد جعلت قبلة لأسباب معيّنة منها توحيد وُجْهةِ جميع المسلمين ولفت أنظارهم إلى البقعة التي انبثق منها نور الإسلام؛ وهو الموضع الذي بُني باسم التوحيد. وأُعيد بناؤه على يد النبيّ إبراهيم عليه السلام  وابنه إسماعيل عليه السلام .

وأما الذين يصلّون في المسجد الحرام وقريباً من الكعبة فيجب أن يقفوا باتجاه الكعبة تماماً؛ ولكن مَن يُصلّون في أماكن بعيدة فيجب أن يكون وقوفهم باتجاه القبلة بالشكل الذي يكفي فيه أن يُقال إنهم واقفون باتجاهها قال الصادق عليه السلام : <إنّ الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا>([14]).

ويجوز للمسلم أداء الصلاة المستحبّة ماشياً أو راكباً. وإذا صلّى أحد صلاة مستحبّة في هاتين الحالتين، لايلزم أن يكون متوجّها نحو القبلة.

 

ثياب المصلّي

1 ـ يجب على الرجل ستر عورتيه حال الصلاة، وإنْ لم يكن هناك من يراه، والأفضل أن يستر من سرّته إلى ركبتيه. ويجب على المرأة أن تستر تمام بدنها، ولايجب أن تسْتُر من وجهها ما يُغسل في الوضوء، ويديها من الاصابع إلى الزندين وقدميها إلى المفصلين. ولكي يحصل لها اليقين بستر المقدار الواجب، يجب أن تستر مقداراً من أطراف الوجه ومقداراً من أسفل الزند ومفصل القدم.

2 ـ يجب أن تكون ثياب المصلّي طاهرة. وإذا كانت نجسة يجب تطهيرها.

3 ـ يجب أن تكون ثياب المصلّي مباحة على الأحوط وجوباً. وعلى هذا الأساس فمن يعلم أن ارتداء الثوب المغصوب حرام، ثم صلّى عمداً بثوب مغصوب ولو بعضه كأن تكون خيوطه أو أزراره أو أي شيء آخر فيه، فالأحوط وجوباً إعادة صلاته بثوب غير مغصوب.

4 ـ بجب أن لاتكون في ثياب المصلّي ولا معه أشياء من الميتة أو من حيوان يحرم أكله. ويسري هذا الحكم من باب الاحتياط الوجوبي على الحيوان من غير ذي النفس السائلة أيضا.

5 ـ لا يجوز للرجال ارتداء ثياب منسوجة من حرير خالص أو مطرّزة بالذهب، والصلاة فيها باطلة، و الأولى على المرأة أن لا تُصلّي في ثياب حرير وان كان جائزاً لها، ولكن لا إشكال في أن ترتدي المرأة ثياباً منسوجة بالذهب أو التزيّن بالذهب بشكل عام في صلاة أو غيرها.

([1]) سورة الرعد، الآية 28.
([2]) سورة العنكبوت، الآية 45.
([3])  نهج البلاغة، الكتاب 47، ص 422.
([4]) سورة العنكبوت، الآية 45.
([5]) من لايحضره الفقيه، ج 1، ص 311، باب فضل الصلاة، الحديث 640.
([6]) مستدرك الوسائل، الباب 6 من أعداد الفرائض، ج 3، ص 25، الحديث 3.
([7]) وسائل الشيعة، ج 4 ـ ص 27.
([8]) سورة الماعون، الآيات 4 ـ 5.
([9]) الوسائل ج4 باب 6 ح1.
([10]) الكافي، ج 3، ص 270، الحديث 15.
([11]) وسائل الشيعة، الباب 9 من أبواب اعداد الفرائض، ج 4، ص 37، الحديث 6.
([12]) سورة المدّثر، الآيات 40 ـ 43.
([13]) سورة البقرة، الآية 115.
([14]) الوسائل ج4 باب 3 من ابواب القبلة.

أحكام الطهارة

الطهارة

يجب أن يكون بدن المصلّي طاهراً. والطهارة على نوعين: ظاهرية، وباطنية معنوية.

أ ـ الطهارة الظاهرية
الطهارة الظاهرية هي أن لا يكون بدن وثوب المصلّي متنجّساً بأشياء نجسة. وهذا يعني أنه يجب أن يكون قد أزال النجاسة مسبقاً، ثم يصلّي بعد إزالة النجاسة، إلاّ في حالة المشقّة أو الحالات المستثناة المذكورة في الأحكام الشرعيّة على مذهب أهل البيت ع .([1])

النجاسات
هناك أشياء نجسة يجب أن لا يكون شئ منها على بدن المصلّي أو ثيابه. وإذا كانت موجودة يجب عليه إزالتها عن بدنه وثيابه قبل الصلاة. وهي عبارة عما يلي:

1 و2 ـ بول وغائط الإنسان والحيوانات التي يحرم أكلها. والأحوط وجوباً اجتناب بول الحيوان الذي يحرم أكله وليس له نفس سائلة، ولكن لايجب اجتناب غائطه.

3 و4 و5 ـ مني الإنسان ودمه وميتته وكذلك كل حيوان ذي نفس سائلة، وإن كان ممّا يؤكل لحمه. ومع أن نجاسة مني الحيوانات التي يحلّ أكل لحمها غير ثابت، ولكن ينبغي اجتنابه احتياطاً.

6 و7 ـ الكلاب والخنازير البريّة نجسة، وأما البحرية منها فطاهرة.

8 ـ الخمر وكل مُسكر للإنسان، إذا كان مائعاً بطبعه، نجس على ما هو المشهور([2]) ويحرم تناوله، أما إذا كان غير مائع كالحشيشة، فهو طاهر وإن أصبح سائلاً بالعرض بخلطه بالماء ولكن يحرم تناوله.

9 ـ نجاسة عرق الجنب من الحرام محل كلام بين الفقهاء ولكن الظاهر لاتصح الصلاة في ثوب متلطّخ به فقط.

10 ـ يلزم على الأحوط وجوباً اجتناب عرق الجمال المعتادة على أكل نجاسة الإنسان، بل عرق كل حيوان اعتاد على نجاسة الإنسان.

الكثير من الفقهاء يعتبرون الكافر نجساً أيضاً. والكافر هو من ينكر وجود الله عناداً وجحوداً، أو يجعل له شريكاً، أو ينكر نبوّة النبيّ محمد2 أو ينكر المعاد، ولكن الظاهر طهارة أهل الكتاب كاليهود والنصارى والزرادشتية إذا لم يتنجّسوا بلحم الخنزير وما شابه ذلك، بل نجاسة الكّفار من غير أهل الكتاب موضع إشكال فلا يبعد طهارة الانسان، وعلى فرض نجاستهم فإنَّ ذلك ليس من قبيل سائر النجاسات، وإنّما هو حكم سياسي جعله الإسلام، وكانت غاية الشريعة من وراء ذلك إبعاد المسلمين عن الإحتكاك والتواصل مع الكفار، لكي لايتأثّروا بأفكارهم ومعتقداتهم. وهذا لايتعارض مع فتح باب الحوار الموضوعي والتعايش السلمي والمراودات العلمية والعلاقات الاقتصادية معهم، إنْ لم تكن في ذلك مفسدة.

طرق إثبات النجاسة
تثبت النجاسة بالطرق الثلاثة التالية:

أ ـ أن يكون الشخص نفسه موقناً بنجاسة الشيء.

ب ـ إذا شهد بنجاسته من هو في يده ولم يكن متهمّاً بالكذب.

ج ـ شهادة رجلين عادلين بنجاسة الشيء، بل حتى إذا شهد ثقةٌ بنجاسته بحيث يحصل الوثوق من قوله فيجب اجتنابه.

طرق تنجّس الأشياء الطاهرة
اذا لاقى الشيء النجس شيئاً طاهراً، وكان أحدهما أوكلاهما رطباً بنحو تسري الرطوبة من أحدهما إلى الآخر، يتنجّس الطاهر. أما إذا كانت الرطوبة غير مسرية، فالطاهر منهما لايتنجّس، ومع الشك في وجود الرطوبة المسرية او في السراية فالحكم هو الطهارة.

المطهِّرات
تطهّر المتنجّسات بعشر أشياء، وتسمّى بالمطهّرات وهي:

1 ـ الماء
الماء يطهّر الشيء المتنجّس بشروط أربعة هي:

1 ـ أن يكون الماء مطلقاً وهو الماء المعروف وذلك مثل مياه الانهار والينابيع والبحار ونحوها. دون الماء المضاف وهو الماء المختلط بعنصر آخر يغيّر لونه أو طعمه أو رائحته مثل الماء الممزوج بالسكر وماء الورد وما اعتصر من جسم آخر كعصير البرتغال والجزر والليمون وكذلك سائر السوائل كالنفط والبانزين لايطهر الشيء النجس.

2 ـ أن يكون الماء طاهراً.

3 ـ أن لايتحوّل الماء حين التطهير إلى ماء مضاف أي لا تتاثّر رائحته أو لونه أو طعمه بالنجاسة.

4 ـ أن لاتبقى عين النجاسة في الشيء بعد تطهيره.

الماء الكر والقليل
يُقسَّم الماء من حيث المقدار وقابليته للتطهير إلى قسمين:

1 ـ الماء الكر، وهو مقدار الماء الذي إذا لاقى الأشياء النجسة لايتنجّس، ويطهّرها، بشرط أن لاتُغيّر عين النجاسة رائحة أو لون أو طعم ذلك الماء، ويساوي بالوزن 377 كيلوغراماً تقريباً، ويساوي حسب الحجم ثلاثة أشبار ونصف طولاً وعرضاً وارتفاعاً بشبر الشخص العادي، وهو ما يقارب 24/72 سانتمتر.

2 ـ الماء القليل، هو الماء الذي لاينبع من الأرض، ولايبلغ كُرّا.

وإذا أردنا تطهير الشيء النجس بالماء القليل بواسطة إبريق مثلاً أوما شابه ذلك، يجب إراقة الماء من الأعلى إلى الأسفل. وإذا لاقت النجاسة الماء القليل يتنجّس، ولكن الماء الكر إذا لاقى الشيء النجس لايتنجس إلاّ إذا تغيّر بآثار النجاسة واتخذها وهي اللّون والرائحة والطعم.

كيفية تطهير الاشياء المتنجّسة
لو تنجّست الثياب ونحوها وكذلك بدن الإنسان وسائر الأشياء غير الاواني بالبول فتطهر بغسلها بالماء مرّتين إذا كان الماء قليلاً، وأمّا في سائر النجاسات بعد إزالتها فتكفي مرّة واحدة وامّا بالماء الكثير فيكفي في كلها الغسل مرّة واحدة.

يجب غسل الإناء ـ والمراد بالآنية كل ما يستخدمه الإنسان في الطعام والشراب بحسب العرف فيشمل الصواني والصحون والكؤوس ونحوها ـ المتنجّس ثلاث مرّات بالماء القليل، ولكن تكفي مرّة واحدة بالماء الجاري والماء الكر. أما الإناء الذي ولغ فيه الكلب أو شرب منه ماءً أو مائعاً آخر، يجب تعفيره بالتراب الطاهر أولاً، ثم غسله بالماء مرّتين إذا كان قليلاً، أمّا بالماء الكثير فيكفي مرةً واحدة بعد التعفير. وكذلك الحال بالنسبة إلى الإناء الذي لطعه الكلب، أو سال لعابه فيه، فالأحوط وجوباً أن يُعفّر بالتُراب قبل غسله بالماء. ويجب غسل الإناء الذي ولغ فيه الخنزير أو مات فيه الجرذ ـ وهو الفأر الكبير ـ سبع مرّات بالماء القليل، وامّا الكثير فيكفي مرّة واحدة ولكن الاحوط سبع مرّات. ولايجب تعفيره بالتراب، والإناء المتلوّث بالخمر لرفع التلوّث يغسل بالماء القليل ثلاث مرّات، وبالكثير يكفي مرّةً واحدة.

يطهر موضع الغائط وذلك بصبّ الماء حتى تزول النجاسة ويتنظّف الموضع من دون حاجة إلى التعدد سواء بالماء القليل أو الكثير كما يطهر بمسحه بكل ما يُقلع النجاسة ويزيلها كالخرق ونحوها ولكن لابدّ من استخدام ثلاث قطع حتى لو حصلت النظافة بالأقل كما تجب الزيادة على الثلاث ان لم يتنظّف بها حتى تحصل النظافة ويشترط انّ تكون القطع طاهرة وانّ لا تتعدى النجاسة المخرج ـ أي حلقة الدبر ـ فان تلوّثت جوانب الدبر بالغائط لم يطهر الاّ بالماء وكذا لو خرج مع الغائط دم أو لاقت المخرج نجاسة من الخارج فلا يطهر الاّ بالماء.

2 ـ الأرض
تطهّر الأرض باطن القدم وباطن النعل والحذاء المتنجّس وكذلك عجلة السيارات والعربات بخمسة شروط:

1 و2 ـ أن تكون طاهرة وجافّة على الأحوط وجوباً.

3 ـ أن تكون نجاسة باطن القدم والنعل وأمثالها حاصلة من المشي على الأرض المتنجّسة وملاقاتها.

4 ـ أن تزول عين النجاسة أو المتنجّس ـ كالدم والبول والعذرة والطين ـ التي تعلقت بباطن القدم أو النعل ونحوه بالمشي على الأرض أو المسح بها.

5 ـ أن تكون الأرض تراباً أو حصىً أو حجراً أو مفروشة بالآجر والزفت والاسمنت والجص بل العشب. أمّا المفروشة بالموكت والسجّادة والحصير، فلا يطهّر باطن القدم والنعل بالمشي عليها. ولايبعد التطهير به المفروشة بالخشب وكذلك الجسر الحديد ونحوه مما يصدق عليه عنوان الأرض.

3 ـ الشمس
تطهّر الشمس، الأرض والأبنية وما يدخل في بنائها مثل الأبواب والشبابيك، وكذلك المسامير المثبتة في الجدران التي تعدّ جزءاً من البناء بستّة شروط:

1 ـ أن يكون الشيء المتنجّس رطباً، بحيث إذا لاقاه شيء آخر سرت رطوبته إليه.

2 ـ زوال عين النجاسة قبل أن تشرق عليها الشمس أو أن تزول بالاشراق إن وجدت بعده.

3 ـ أن لايكون حائل بينه وبين الشمس. فلو أشرقت عليه الشمس من خلف ستار أو غيم وجفّفته، لايطهر، ولكن إذا كان الغيم خفيفاً بحيث لايمنع أشعة الشمس، فلا إشكال فيه كما انّ التجفيف بالاشراق من خلف الزجاج غير المشجر مطهّر أيضاً.

4 ـ أن تستقلّ الشمس بتجفيف الشيء المتنجّس. فلو جفّ بسبب الريح والشمس معاً، لم يطهر. أمّا إذا كان اثر الريح ضئيلاً فلا إشكال فيه.

5 ـ أن تجفّف الشمس المقدار المتنجّس من الأرض والبناء مرّة واحدة. فلو أشرقت الشمس عليه في المرّة الأُولى وجفّفت ظاهره، ثمّ اشرقت مرّة أُخرى وجفّفت باطنه، يطهر ظاهره ويبقى باطنه على نجاسته.

6 ـ أن لايكون بين ظاهر الأرض أو البناء الذي تشرق عليه الشمس وبين باطنه فاصل من هواء أو جسم طاهر آخر، وإلاّ فإنّ الباطن لايطهّر وإن جفّ بسبب شروق الشمس.

4 ـ الاستحالة
يطهر الشيء النجس أوالمتنجّس إذا تغيّر جنسه إلى شيء طاهر، ويُسمّى ذلك الاستحالة. كأن يحترق الخشب المتنجّس ويصير رماداً، أويسقط الكلب في الارض المالحة ويستحيل إلى الملح. أمّا إذا لم يتحوّل جنسه، كما لو طحنت الحنطة المتنجّسة فصارت دقيقاً أو الدقيق صار عجيناً ، أو خبزاً، فإنّها لاتطهر.

5 ـ ذهاب ثلثي العصير العنبي
غليان عصير العنب الذي يوجب حرمته يكون في حالتين:

أ ـ إذا غلى عصير العنب بالنار يحرم تناوله، وذهب جماعة من الفقهاء إلى القول بنجاسته ايضاً. ولايطهر ولايحلّ إلاّ إذا غلى بحيث يتبخّر ثلثاه.

ب ـ إذا غلى بنفسه يتنجّس ـ على ما ذهب اليه جماعة ـ ويحرم تناوله، ولايطهر ولايحلّ إلاّ إذا صار خلاًّ.

6 ـ الانتقال
إذا دخل دم الإنسان أوالحيوان ذي النفس السائلة، إلى جسم حيوان ليس بذي نفس سائلة كالبرغش، فعُدّ من دمه، يكون طاهراً. ويُسمّى ذلك: الانتقال، مثل الدم الذي تمتصّه البعوضة من جسم الإنسان أو حيوان آخر ويصير جزءاً من جسم البعوضة.

7 ـ الإسلام
إذا نطق الكافر بالشهادتين؛ أي أن يقول: <أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله>، عن جدٍّ وعزم ـ حتى وإن كان بلغةٍ أُخرى ـ يصير مسلماً ـ وبناءً على القول بنجاسة الكافر ـ يطهر بدنه وعرقه.

8 ـ التبعية
وهي طهارة الشيء النجس تبعاً لطهارة شيء نجس آخر، كالخمر إذا استحال خَلاًّ، يطهر الإناء الذي كان فيه تبعاً لطهارة الخل بناءاً على القول بنجاسة الخمر وكذلك تطهر بالتبعية الآلات التي يغسل بها الميت ويد الغاسل وسرير التغسيل فانّها تطهر جميعها بتبع طهارة بدن الميت.

9 ـ زوال عين النجاسة
إذا تنجّست بواطن الإنسان ـ مثل داخل الحلق والأنف ـ ثم تلاشت النجاسة يطهر الموضع ولايجب تطهيره بالماء. وكذلك إذا تنجّس بدن الحيوان وزالت عنه النجاسة. أمّا إذا تنجّس شيء خارجي وضع في الفم ـ كالاسنان الاصناعية مثلاً ـ فطهارتها بمجرّد زوال عين النجاسة موضع إشكال، نعم إذا رُكّب في داخل جسم الانسان بحيث يعدّ جزءاً داخلياً لبدن الانسان يطهر بزوال عين النجاسة.

10 ـ استبراء الحيوان الجلاّل
يحرم اكل لحم الحيوان الجلال والأحوط وجوباً نجاسة بوله وغائطه، وهو الحيوان المعتاد على أكل نجاسة الإنسان. وإذا أُريد تطهيره، وجب أن يُستبرأ؛ أي يُمنع لمدّةٍ من الزمان يزول فيها عنوان الجلل عرفاً وهو إذا تغذّى على العلف النظيف في تلك المدّة والاحوط الاستمرار في تغذية الابل مدّة اربعين يوماً، والبقر ثلاثين، والغنم عشرة، والبط خمسة، والدجاج ثلاثة أيام حتى لو زال عنوان الجلل قبل العدد([3]).

ب ـ الطهارة المعنوية
هناك إضافة إلى الطهارة التي سبق الكلام عنها، نوع آخر من الطهارة التي أوجبها الإسلام، واشترطها لصحّة بعض الاعمال العبادية منها الصلاة. وهي تتحقق بثلاثة أشياء: الوضوء، والغُسل، والتيمم.

الوضوء
الوضوء: اغتسال خاص يقوم به الإنسان بأمر الله قبل الصلاة وبعض العبادات الأُخرى، لتطهير القلب والتقرّب إلى الله. والوضوء عمل لطهارة الروح والاستعداد للعبادة. ولهذا فهو على درجة كبيرة من الأهمية، وقد وُصِفَ في رواية بأنه نور ويستحب للإنسان ان يكون على الوضوء دائماً.([4])

وأمّا الأُمور التي يجب لها الوضوء فهي: الصلاة، والطواف الواجب، ومَسَّ كتابة القرآن. والمصلّي يتهيّأ بهذا الاغتسال الظاهري لإزالة الخبائث والأدران الروحية والقلبية. ولهذا كلّما كان الإنسان يتوضّأ بمزيد من الاهتمام وحضور القلب، يكون له توجّه وإخلاص أكثر في الصلاة، ولكن لاينبغي حصر الحكمة من الوضوء بهذه الأُمور أو بأُمور أخرى مثل رعاية جوانب الصحّة والنظافة. وما يجب في الوضوء هو التعبّد والخضوع لله الواحد.

يجب في الوضوء غسل الوجه واليدين، ومسح مقدّم الرأس وظاهر القَدَميْن. ويمكن فعل ذلك بطريقين: الترتيبي، والارتماسي.

الوضوء الترتيبي والارتماسي
الوضوء الترتيبي هو صبُّ الماء على كل واحد من أعضاء الوضوء وغسله من الأعلى إلى الأسفل وبالترتيب. وأما في الوضوء الارتماسي فيغمر كل عضو في الماء بالترتيب.

في الوضوء الترتيبي يجب غسل الوجه طولاً من منبت الشعر إلى نهاية الذقن من الأعلى إلى الأسفل، وعرضاً بمقدار ما شمله الإبهام والإصبع الوسطى. ولأجل أن يحصل له اليقين بغسل تمام هذه المساحة، يجب أن يغسل شيئاً مما حولها. وبعد الوجه، يغسل اليد اليمنى ثم اليسرى، وأن يكون غسل اليدين من المرفق إلى نهاية الأصابع من الأعلى إلى الأسفل. ولأجل أن يحصل له اليقين بغسل المرفق كاملاً، يجب غسل مقدار قليل من أعلى المرفق.

بعد تمام غسل اليدين يجب المسح على ربع الرأس الواقع فوق الجبهة من مقدّم الرأس بالرطوبة الباقية على كف اليد، ثم يمسح ظاهر القدمين ابتداءً من رأس إحدى الأصابع إلى كعب القدم، قال تعالى:﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾.

وعند المسح يجب أن يكون موضع المسح جافّاً، أو تغلب رطوبة الماسح وأن يثبّت الرأس والقدّم ويسحب اليد عليها. ولا يجب استيعاب الممسوح كله بالمسح بل يكفي المسمّى طولاً وعرضاً والافضل ما كان بمقدار ثلاثة اصابع مضمومةً، ولو كان الشعر طويلاً بحيث لو مشّطه مثلاً يصل إلى وجهه أو سائر أجزاء الرأس، يجب أن يمسح على أُصوله أو يفرّقه ويمسح على البشرة. أمّا لو لم يكن شعر مقدّم الرأس طويلاً إلى هذا الحد فيكفي المسح على ظاهر الشعر.

شروط الوضوء
لصحة الوضوء ثلاثة عشر شرطاً:

1 و2 ـ أن يكون ماء الوضوء طاهراً ومطلقاً.

3 ـ أن يكون الماء مباحاً، فلا يجوز التوضوء بالماء المغصوب.

4 و5 ـ أن يكون إناء ماء الوضوء مباحاً وليس من الذهب والفضة.

6 ـ أن تكون أعضاء الوضوء حين الغسل والمسح طاهرة.

7 ـ أن يكون هناك وقت كافٍ للوضوء والصلاة، وإلاّ فعليه أن يتيمّم.

8 ـ أن يكون الوضوء بقصد القربة؛ يعني يتوضّأ امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى.

9 ـ أداء أفعال الوضوء بالترتيب والمقصود منه غسل الوجه اولاً ثم اليد اليمنى ثم اليد اليسرى ثم مسح الرأس ثم مسح القدمين.

10- الموالاة والمتابعة: والمراد بها تتابع صدور أفعال الوضوء فعلاً بعد فعل.

11 ـ أن يباشر الإنسان أعمال الوضوء بنفسه، لا أن يُوضّأه أو يساعده على الوضوء شخص آخر فيما إذا كان قادراً بنفسه.

12 ـ أن لايكون في استعمال الماء ضرر عليه.

13 ـ أن لايكون على أعضاء الوضوء مانع من وصول الماء.

القماش واللّفاف الذي تُضَمّد به الجروح، والقماش أوالبلاستيك اللاصق الذي يوضع على الجرح مؤقتاً لمنع وصول الماء إليه يُسمّى <جبيرة>. وأي وضوء أو غسل أو تيمم يجري فوق هذا القماش أو اللّفاف أو اللاصق يُسُمى وضوء أو غُسل أو تيمم الجبيرة. وهو صحيح إذا جرى وفقاً للشروط التي نبيّنها في الحاشية.([5])

مبطلات الوضوء
مبطلات الوضوء سبعة:

1 و2 ـ خروج البول والغائط.

3 ـ خروج ريح من مخرج الغائط.

4 ـ النوم الذي لاترى فيه العين ولاتسمع الأُذن، ولكن إذا توقّفت إحداهما فقط عن العمل لايبطل الوضوء.

5 ـ الأشياء المُذهبة للعقل مثل الجنون والسكر والإغماء.

6 ـ الاستحاضة.

7 ـ الأفعال التي توجب الغُسل، كالجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة.

الغسل
أحيانا يشترط <الغُسل> لصحة العبادة. أي يجب غسل تمام البدن بترتيب وشروط خاصّة وبقصد القربة، ولايكفي عنه الوضوء. وفي بعض الحالات يُستحب الغسل كما انّه قد يجب لنفسه وهو غسل الاموات فانّ وجوبه ليس من اجل شئ آخر.

الأَغسال الواجبة
يجب الغُسل في عدّة موارد للصلاة وكل عمل مشروط بالطهارة.

1 ـ غسل الجنابة، وهو ما يجب بسببين، الأوّل: الجماع، والثاني: خروج المني سواء في اليقظة أو في النوم.

2 و3 و4 ـ غسل الحيض، والاستحاضة والنفاس، الحيض هو الدم الذي يخرج من رحم المرأة عادة عدّة أيام من كل شهر، ولاتكون مدّة الحيض أقل من ثلاثة أيام، ولا أكثر من عشرة أيام. أمّا وقت وعدد أيام حيض المرأة فهو تابع للانتماء العرقي للمرأة وأُسرتها وظروفها الجسمية وغير ذلك، فهي تحيض في زمان ومدّة خاصّة، وهو ما يُسمّى بالعادة ـ الدورة الشهرية ـ ودم الحيض غالباً ما يكون على الصفة التالية: احمر أو اسود، حاراً يخرج بدفق وحُرقة.

والاستحاضة: وهي ما تراه المرأة من الدم الذي قد تقلّ مدّته عن ثلاثة أيّام أو تزيد على عشرة أيّام فهذا الدم على الأكثر أصفر بارد رقيق يخرج بفتور بلا قوة.

النفاس: وهو كل دم تراه المرأة مع الولادة أو بعدها ومدّته مثل مدّة العادة الشهرية. وإذا لم تكن هناك مدّة ثابتة للعادة، فإنّ مدّة النفاس لا تكون أكثر من عشرة أيام، ولكن قد تكون أقل من ثلاثة أيام.

وفي كل واحدة من هذه الحالات الثلاث يجب على المرأة بعد أن تطهر ـ انقطاع دمها ـ أن تغتسل غسل الحيض، أو الاستحاضة، أو النفاس، من أجل الصلاة والعبادات الأُخرى. وتفصيل ذلك مذكور في الرسائل العملية.

5 ـ غسل مسّ الميّت، يجب الاغتسال عند مسّ جسد الميت من الإنسان ـ عدا الشعرـ بعد أن يبرد وقبل أن يُغَّسل. ويشمل هذا الحكم على الاحوط وجوباً أيضاً إذا مسَّ قطعة منفصلة من جسم الميّت إن كان فيها عظم.

6 ـ غسل الميّت، يجري غسل الميّت على نحو خاص؛ إذ يجب ابتداءً غسل تمام البدن بالماء المخلوط بالسِدر، ومن بَعده يُغسل بالماء المخلوط بالكافور، ثم بالماء الخالص القراح، بالنحو الذي نذكره في أحكام الأموات.

كيفية الغسل
يمكن الغسل بطريقين: الغسل الترتيبي، والغسل الارتماسي. وفي الغسل الترتيبي يجب غسل الرأس والرقبة أوّلاً، ثم على الأحوط وجوباً غسل الجانب الأيمن من البدن، ثم غسل الجانب الأيسر. والغسل الارتماسي أن يرمس الإنسان بدنه في الماء دفعة واحدة بنيّة الغسل، فيمكن إتيان كل الاغسال ما عدا غسل الميت بهذا النحو.

أحكام الغسل
1 ـ كل الشروط التي ذكرت لصحّة الوضوء، تُشترط في صحّة الغسل أيضاً، ولكن لا يجب في الغسل غسل البدن من الأعلى إلى الأسفل، ولا تجب الموالاة والمتابعة في الغَسل، بشرط أن لا يأتي بما يبطل الوضوء.

2 ـ من تجب عليه عدّة أغسال يمكنه أن ينويها جميعاً في غسل واحد. بل يمكنه أيضاً الغسل مرّة واحدة عن عدّة أغسال واجبة ومستحبّة.

3 ـ من يغتسل عن الجنابة لا يتوضّأ للصلاة، واما سائر الاغسال التي وردت في الشرع لا تحتاج إلى الوضوء ـ ولكن الاحوط ان يتوضأ قبل الغسل ـ الاّ غسل الاستحاضة المتوسطه لانّه يجب فيها الوضوء مضافاً إلى الغسل.

4 ـ يشترط على الأحوط وجوبا في صحة الغسل الارتماسي أن يكون جميع البدن طاهراً. ولايجب ذلك في الغسل الترتيبي، بل يكفي فيه تطهير كل جزء قبل غسله.

5 ـ لا يجوز للصائم صوماً واجباً معيّناً أن يغتسل غسلاً ارتماسياً حين الصوم؛ لأن الصائم يجب أن لا يغمر كل رأسه في الماء وكذلك المحُرم.

6 ـ إذا أحَدَث أثناء الغُسل ما يوجب الوضوء، فالأحوط وجوبا أن يستأنف الغُسل وأن يتوضّأ.

7 ـ إذا تراكمت أسباب الغسل كفى غسل واحد يقصد به كل ما عليه من الاغسال، إذا وجب على المكلّف غسل آخر ولم يغتسل، ثم أجنب واغتسل من الجنابة، يكفيه غسل الجنابة عن الأغسال الأُخرى وإن لم يلتفت إلى غيرها من الاغسال الواجبة بل إذا قصد ما عليه من الغسل غير غسل الجنابة يكفي عن الجنابة بل إذا قصد مطلق الغسل.

([1]) الأحكام الشرعيّة على مذهب أهل البيت ع ، المسائل 858 ـ 873.
([2]) نجاسة المسكر المائع بطبعه محل ترديد.
([3]) ذكر الفقهاء من المطهّرات غيبة المسلم إذا كان بدن المسلم أو ثيابه أو الأواني التي يستعملها متنجّسة، ثم غاب ذلك المسلم وكان هناك احتمال في تطهير تلك الأشياء بالماء، أو طهارتها بنزول المطر عليها، أو بالماء الكر أو الجاري، فلا يجب اجتنابها.
([4]) وسائل الشيعة، الباب 8 من أبواب الوضوء، ج 1، ص 377، الحديث 8.
([5]) وضوء الجبيرة: يُراد به بيان أحكام الوضوء في حالة وجود جبيرة، او رباط أو نحوهما، في أحد أعضاء الوضوء. والجبيرة المقصودة هي ما يكون لعلاج الكسر أو الجرح أو القرح فلا يشمل حالات الألم والورم أو التحسس الجلدي. نعم، يشمل الحاجب اللاصق كما يأتي بيانه. وتفصيل أحكام الجبيرة يختلف بين ما لو كان موضع الاصابة ملفوفاً برباط ونحوه، وبين ما لو كان مكشوفاً، وهو ما سوف نبينه في فرعين:

الفرع الاول: في حكم العضو الملفوف:

إذا كان العضو المصاب بكسر أو جرح أو قرح ملفوفاً برباط لمعالجته، فإن أمكن نزع الجبيرة وغسل ما تحتها من غير ضرر، وجب عليه نزعها والوضوء بالطريقة العادية. وإن كانت بحيث لا يمكن نزعها إما لتضرر الموقع المصاب، أو لكون الشفاء مستلزماً لبقائها او لاحتياج نزعها إلى طبيب مختص غير متوفر، فان عليه الوضوء بالنحو المتعارف إلى ان يصل إلى الموضع المجبور فيخصصه بالمسح على الجبيرة ولايكتفي بجريان الماء الذي صبه على العضو المصاب لغسله.

لافرق في الجبيرة التي لايمكن نزعها بين ما لو كانت مستوعبة لتمام عضو واحد او اكثر من اعضاء الغسل او المسح وبين غير المستوعبة، فلو كانت جميع أعضاء الوضوء مجبورة كفى الوضوء بالمسح عليها وصح منه.

اذا كانت الجبيرة الموضوعة على موضع الاصابة ازيد من المقدار المتعارف فان امكن رفع الزائد او إدخال الماء تحته وجب، وان لم يمكن رفعه كفاه الوضوء مع الجبيرة الزائدة وصح منه.

اذا كانت الجبيرة نجسة، فان كانت بمقدار الجرح كفاه ان يضع عليها خرقة طاهرة ويمسح عليها حتى لو امكنه رفعها وتغييرها او تطهيرها. واما إذا كانت ازيد من مقدار الجرح، ولو كانت بالمقدار المتعارف، فان امكن رفعها وغسل المقدرا الزائد، وجب، وان لم يمكن ذلك ، لزمه وضع خرقة طاهرة فوقها، والمسح عليه في وضوئه. إذا تضررت اطراف الجرح المتعارفة بغسلها تجنّب غسلها وصحّ وضوؤء بالمسح عليها، وان كان المقدار المتضرر ازيد من المتعارف فالاحوط وجوباً له الجمع بين الوضوء مع الجبيرة وبين التيمم.

الفرع الثاني: في حكم العضو المكشوف:

اذا كان العضو المصاب مكشوفاً فان كان بحيث لايضره الماء وكان طاهراً فلا اشكال في انّه يتوضأ بالنحو المعتاد، وان كان بحيث لا يمكن غسله ـ ولو من اجل الدواء الموضوع عليه ـ كفاه غسل ما حوله وترك موضع الاصابة من دون غسل ومع امكان وضع خرقة عليه والمسح عليها فالاحوط ذلك.

الحاجب اللاصق الذي يتعذّر نزعه لايجب له التيمم ويكفيه الوضوء بالمسح عليه.

المريض الذي يتداوي بابرة المصل يجب عليه نزع الابرة والوضوء مع الامكان والاّ فان امكن غسل ما حول الثقب المغروسة فيه الابرة وجب الوضوء ايضاً والاّ وجب التيمم حتى لو كانت الابرة في اعضاء التيمم.

الانبوب الموضوع في الفم والانف إذا لم يمكن معه الوضوء انتقل فرض المكلف إلى التيمم، اما إذا كان يعلم بانّ العذر في الجبيرة سيزول في وقت يسع عباداته فيجب تأخير  الصلاة إلى ذلك الوقت والوضوء بالطريقة العادية اما إذا لا يعلم بذلك فهنا يمكنه ان يتوضأ برجاء استمرار العذر فان استمر صح وضوؤه وصلاته وان زال في وقت يسع عباداته اعاد الوضوء والصلاة معاً.

وضوء الجبيرة رافع للحدث.

في كل حالة يشك المكلف في ان فرضه فيها هو الوضوء او التيمم فان الاحوط وجوباً هو الجمع بين الوضوء والتيمم.

اذا اعتقد المكلف الضرر فوضع جبيرة وعمل بموجبها ثم تبين عدم الضرر بطل وضوؤه ولزمه اعادة ما صلاه بذلك الوضوء.

الإجتهاد و التقليد

الاجتهاد وتاريخه

كل من يكشف عن الأحكام المقرّرة ويفهم تكاليفه الدينية عن طريق فهم آيات القرآن والتحقيق في الأحاديث والمصادر المذكورة، ويكون صاحب رأي ونظر في هذا المضمار، يُسمّى <مجتهداً>.

ولكنّ فهم أحكام الدّين لم يكن في جميع الأزمان على مستوىً واحد من حيث السهولة والصعوبة، وإنّما مَرَّ بأدوار مختلفة نستعرضها بإيجاز في ما يلي:

1 ـ دور تعلّم ونشر الأحكام
في عهد النبيّ ص عُرضت التعاليم الدينية على الناس من قبل النبيّ ص بالتدريج وبما يتناسب مع الظروف والمتطلّبات. ولمّا كان عدد المسلمين قليلاً وأحكام الإسلام محدودة كان بإمكان المسلمين الاتّصال بالنبيّ ص وتعلّم الأحكام واخذ معالم الدين منه مباشرة، ولكن بعدما انتشر الإسلام ودخل فيه أُناس كثيرون في مختلف الأرجاء وعدم امكان الوصل إلى النبيّ ص ، خاصّة غير العرب، أو العرب الذين كانوا يتحدّثون بلهجة تختلف عن اللهجة التي نزل بها القرآن، تطلّبت ظروف الدعوة ان ينتدب النبيّ ص عدداً من المسلمين لهذه المهمّة الخطيرة، وهي تعليم الإسلام والقرآن والتعاليم الدينية لمن كانوا قد أسلموا حديثاً.([1]) وفي هذه المرحلة كان هناك اجتهاد بشكل أو آخر ولكن على نطاق محدود. وكان المندوبون الذين يبعثهم النبيّ ص إلى مناطق بعيدة يجتهدون في بعض الحالات.

2 ـ دور الاجتهاد البدائي
في عصر الأئمّة المعصومين عليهم السلام  حين شهد المجتمع الإسلامي مزيداً من الاتّساع، ولم يكن الاتصال سهلاً، مضافاً إلى ظهور مسائل وقضايا جديدة، كان الأئمة عليهم السلام  ـ رغم وجودهم في المجتمع ـ يوعزون إلى بعض أصحابهم بالاجتهاد واستخراج الفروع من الأُصول. وهذا ما جاء في بعض الروايات كقولهم: <علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع>.([2])

ولاشكّ في أنّ الروايات الكثيرة التي جاءت عن الأئمة الأطهار عليهم السلام  في موضوعات ومسائل مختلفة، جعلت من الفقه الشيعي فقهاً غنياً بالقياس إلى بقية المذاهب، وكان الفقهاء يعرضون مشاكلهم على الأئمة عليهم السلام  حدّ الإمكان ـ رغم بُعد المسافات والصعوبات الأُخرى ـ ولكن في الوقت نفسه لم يكن الشيعة يجدون أنّهم في غنىً عن التفقّه والاجتهاد.

3 ـ دور الاجتهاد التخصُّصي
في عهد غيبة الإمام المهدي عليه السلام  ـ حيث تعذّر الاتصال المباشر بالمعصوم ـ اصبح الاجتهاد الطريق الوحيد لمعرفة الكثير من الاحكام والمستجدّات والمسائل المستحدثة. وبهذا يحفظ الدّين حيويّته وأصالته الإلهية. وفي هذا الدور بدأ الاجتهاد بمعناه الاصطلاحي؛ أي ردّ الفروع إلى الأُصول وتطبيق الأُصول على الفروع مع الاّطلاع التام على المصادر، والمعرفة بقواعد الاستنباط وآراء الفقهاء السابقين.

في رأي الإسلام، الاستنباط والاجتهاد ليس حكراً على طبقة أوفئة من الناس دون سواها. وبإمكان كل من يمتلك الأهلية العلمية أن يجتهد. وكل من لديه القدرة على فهم الأحكام الإلهية من مصادرها، بإمكانه بعد إحراز الصلاحية، استبناط الأحكام من خلال الرجوع إلى النصوص الدينية ومصادر التشريع.

وأمّا الأخبار الواردة في ذم الاجتهاد والعمل بالرأي فالمراد منها هو الاجتهاد المتداول عند بعض فقهاء أهل السنّة، الذين يفتون ـ عند عدم وجود نص ـ وفقاً للاستحسانات الظنّية والحدسية والقياس الباطل. في حين أنّ مرادنا من الاجتهاد هو استنباط الفروع من الأُصول الكلّية الواردة، وهو ما كان الأئمة عليهم السلام  أنفسهم قد أسّسوه وروّجوا له، حيث قالوا عليهم السلام : <علينا إلقاء الأُصول وعليكم التّفريع>([3]) وهذا شيء معقول ومنطقي. لانّه من ناحية فيه الضمان على الاصابة بالواقع قدر الامكان ومن ناحية اخرى تلبية لحاجة المجتمعات مع تطوّر الزمان واختلاف المكان ومستجدّات الحياة ومتطلّبات العصر.

 

التقليد

(اخذ الاحكام الشرعية)
بحكم العقل من اللازم والضروري معرفة الأحكام والواجبات الدينية التي فرضها الله على كل مُسلم؛ لأن سعادة الإنسان مرتبطة ارتباطاً وثيقاًَ بالاتيان بما قرّره الدين الحنيف؛ إذ لا يمكن العمل بالشريعة من دون معرفتها.

ومع أنَّ العناوين الكلية والوظائف العملية الواضحة ـ كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وغيرها ـ موضع اتفاق جميع المسلمين، ومن ضروريات الدّين، بَيْد أنَّ الاّطلاع على كثير من تفاصيلها الجزئية يحمل جانباً تخصُّصياً. فمن لم يكن متخصّصاً في هذا المجال، عليه الرجوع إلى من لديه الاطلاّع والاختصاص، أي يجب عليه الرجوع في أمر الدّين إلى من له الاهلية وهو من تتوفر فيه مواصفات معينة اهمّها الاجتهاد. فمثلما يرجع كل الناس في أعمالهم اليومية ـ في المجالات التي ليس لهم فيها خبرة واختصاص ـ إلى من يثقون به من ذوي الاختصاص والخبرة، فانَّ التقليد يعني في الحقيقة الأخذ برأي متخصص في القضايا التي تحتاج إلى تخصص.

ولا يصح التقليد الاّ في الأحكام العملية أي فروع الدّين، وأما أُصول الدّين والشؤون الاعتقادية فلا تخضع للتقليد. فالإيمان والاعتقاد بحقائق الوجود، والتمسّك بالقضايا الاعتقادية وأُصول الدّين، يجب أن يكون بالدليل والبرهان وكسب العلم واليقين. فلا يمكننا ان نشهد بإنَّ الله واحد لأنّ آباءنا أو العلماء يقولون ذلك، أو أن نعتقد بالحياة بعد الموت لأنّ كل المسلمين يعتقدون بذلك. نعم يمكن الاعتقاد والاطمئنان بذلك استناداً إلى ما قاله الأنبياء عليهم السلام . ولابُدّ أن يتناسب الدليل مع فهم المكلّف، كما جاء في الحديث انّ رسول الله ص حينما سأل عجوزاً بيدها مغزل، عن الله، أوقفت المغزل وقالت: مثلما أنّ هذا المغزل لايدور بدون وجود من يدّوره، فإنّ هذا العالم العظيم لايدور دون مدبّر.

مواصفات مرجع التقليد
يجب أن تتوفّر في مرجع التقليد المواصفات التالية:

1 ـ الاجتهاد:
 فلابدّ أن يكون مرجع التقليد جامعاً لشروط الإفتاء، وقادراً على استنباط المسائل الشرعية من مصادرها الأصلية.

2 ـ العدالة:
 يجب أن يتّصف مرجع التقليد بملكة العدالة. وتطلق كلمة <عادل> على من يكون مستقيماً ومعتدلاً في العقيدة والأخلاق والعمل، بحيث أنه يلتزم في الظروف العادية بما هو واجب عليه ويترك ما هو محرّم عليه.

3 ـ الأعلمية:
 الرجوع إلى المجتهد الأعلم في الحالات التي يوجد فيها اختلاف بين المجتهدين في فهم الحكم الإلهي، ولا خصوصية في اشتراط الاعلمية هنا فقط بل في كل قضايا الحياة التي تكون مورد الاهتمام. أي متى ما حصل اختلاف بين آراء المتخصّصين في أمر مهمّ مثل علاج مرض عضال، فمن المنطقي أن يعوّل على رأي أكثرهم تخصُّصاً. فعلى هذا الأساس يبدو وضوح تقليد الأعلم في المسائل المختلف فيها بين المجتهدين.

4 ـ أن يكون على قيد الحياة:
 الاجتهاد أُسلوب سيّال وحيّ في فهم أحكام الدّين وتحديثها، وهو يسير عادة مواكباً لظهور متطلّبات وعلاقات وقضايا بشرية مستجدّة.

وعلى هذا الأساس يجب أن يكون هناك على الدوام في المجتمع، المجتهد الواعي الذي يعيش متطلبات الحياة الاجتماعية. وأمّا الحالات التي يجيز فيها المرجع الحي، البقاء على تقليد الميّت ـ في المجالات التي يعيّنها هوـ فهي تمثّل في الحقيقة تقليداً للمجتهد الحيّ، نعم هذا الشرط انّما تتبلور ضرورته فيما إذا كان الفارق الزمني مؤثّراً في فهم الفقيه وامّا إذا كان قريب العهد بحيث لا تؤثر الظروف ولم تكن هناك مستجدات تتطلّب الاستنباط الجديد التي لابّد من اخذها بعين الاعتبار في مقام الاستنباط فلا ضرورة لاشتراط الحياة.

كما يجب أن يكون مرجع التقليد بالغاً، عاقلاً، شيعياً اثني عشرياً، وطيّب المولد، وبناءً على الاحوط يجب أيضا أن لايكون مولعاً بالدنيا ومغرماً بها ومنكبّاً عليها.

والمرأة إذا كانت مجتهدة ومن ذوي الاختصاص في الفقه يجب عليها العمل بآرائها الفقهية ولكن جواز تقليدها مع توفّر سائر المواصفات فيها محل كلام وقد يقال إذا قلنا ان دليل الرجوع إلى المجتهد هو بناء العُقلاء، يمكن أن تكون المرأة مُقلَّدَه. لأن العقلاء لايفرّقون عند الرجوع إلى رأي ذوي الاختصاص ـ في المسائل التي ليس لديهم فيها التخصص ـ بين المرأة والرجل. وأمر المرجعية في الفتوى والتقليد بمعزل عن قضية السلطة والقضاء([4]).

([1]) سورة التوبة، الآية 122.
([2]) وسائل الشيعة، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ج 27، ص 62، الحديث 52.
([3]) المصدر السابق.
([4]) عدم جواز تصدّي المرأة للقضاء محل كلام بين الفقهاء.